عوامل وراثية.. مضاعفات مرضية وإهمال

تحقيق| الموت المفاجئ.. يقطف زهرة الشباب !

تعبيرية
تعبيرية

«تعددت الأسباب والموت واحد».. هكذا اعتدنا أن نواسى أنفسنا عند تعرض أحدهم للموت بشكل غريب أو بسبب غير مألوف، فالموت قديما ارتبط بالتقدم فى العمر أو المرض الشديد أو نتيجة لحادثة ما كالانتحار أو القتل وجميعها أسباب اعتدنا عليها.

 

لكن عندما لا يكون للموت سبب مباشرة ملموس نستطيع معرفته فور وفاة أحدهم، فيرحل الأحباء فجأة دون سابق إنذار، وهنا يكون الأمر غريبا وتشتد غرابته عند انتشاره بشكل ملحوظ، وتحديدا بين الشباب وصغار السن.

 

وفى هذا التحقيق تحاول «الأخبار» معرفة الحقيقة حول «الموت المفاجئ» للشباب وما مدى صحة ارتباطه بالرياضيين من جهة وبالعوامل النفسية من جهة أخرى.

 

«الصحة العالمية»: أمراض القلب والسكتة الدماغية على قائمة أبرز 10 أسباب للوفاة المفاجئة

 

أطلق العلماء عدة مسميات على الموت المفاجئ فمنهم من يعرفها بأنها «متلازمة الموت المفاجئ»، ومنهم من يطلق عليها «أعراض الموت المفاجئ غير المتوقع» وقد انتشرت مؤخرا بشكل كبير حالات الوفاة، وكانت السكتة الدماغية أو متلازمة الشريان التاجى ، أبرز الأسباب، حتى أن منظمة الصحة العالمية أقرت أنهما على رأس قائمة الأسباب العشرة الرئيسية للوفاة فى العالم فى آخر تقاريرها عن عام 2016.


اختلفت الأسباب


وفى مصر تطول القائمة التى تسرد المتوفين فى عمر الشباب بشكل مفاجئ فى كافة المجالات، ففى عام 2006 أصيبت الجماهير بالذهول عقب وفاة محمد عبد الوهاب لاعب النادى الأهلي، صاحب الـ 23 عامًا، بشكل مفاجئ أثناء تلقيه التدريبات بالملاعب، وكان السبب المعلن عقب الوفاة «هبوط حاد فى الدورة الدموية».


وسبقه الفنان عمرو سمير والذى لم يتجاوز الـ 33 عند وفاته، وقد رجح تقرير الطب الشرعى الإسبانى أن يكون سبب الوفاة هبوطًا حادًا فى الدورة الدموية ما تسبب فى هبوط مستوى السكر فى الجسم، وإصابته بأزمة قلبية.. أما أحدث الحالات المفاجئة، فكانت لطبيبة التخدير مارجريت نبيل صاحبة الـ 38 عاماً، والتى سقطت فجأة داخل مقر عملها فى يوم عمل طبيعى لم تسبقه أى أعراض غريبة، وأكد طبيب الرعاية الحرجة أنها جراء سكتة قلبية نتيجة توقف عضلة القلب.


لغط وتفرقة


عقب البحث حول هذه الظاهرة _إن صح القول_ تواصلنا مع د.خالد سمير، استاذ جراحة القلب بطب عين شمس، والذى أكد أن «الموت المفاجئ» هو مصطلح يفهمه الكثيرون بشكل خاطئ، بل تحدث حالات لغط حوله، موضحا أنه لا بد من التفرقة بين نوعين، الأول هو الموت نتيجة مضاعفات لأمراض معروفة لكنها غير مشخصة قبل الوفاة، والثانى هو الموت بدون أى مقدمات أو أسباب.


وأوضح سمير أن النوع الأول والذى يعتقد الكثيرون أنه موت مفاجئ بالمعنى الحرفي، فيكون سببه مجموعة من المضاعفات الناتجة عن أمراض موجودة بالفعل لدى المريض لكنه لم يكن اكتشفها قبل وفاته، ومنها على سبيل المثال المشاكل الجينية، أو العيوب الخلقية فى الأوعية الدموية سواء بالمخ أو القلب مما يمكن أن تؤدى إلى انفجار أحد الأوعية بهما والوفاة فى الحال، أو حتى عيوب خلقية فى عضلة القلب مثل الذبذبة البطينية، أو تضخم فى عضلة القلب أو ضيق صمام بعينه، وكلها علل يكون المريض على جهل بها وذلك نتيجة عدم خضوعه للفحوصات الدقيقة المطلوبة.


وأكد سمير أن الرياضيين من الأطفال والشباب هم الأكثر عرضة للموت بسبب هذه المضاعفات نتيجة للمجهود الكبير المبذول فى الرياضات المتعبة مثل السباحة والملاكمة والجمباز وغيرها، فيؤدى اللعب إلى مضاعفات فى موطن الأمراض السابق ذكرها التى لم يكتشفها اللاعب فيتوفى على الفور.


أما النوع الثانى فأوضح سمير أنه «الموت المفاجئ» دون وجود مشاكل طبية سابقة للمريض سواء معروفة أو غير معروفة.


ويوضح سمير أن السبب المعلن يكون غالبا « توقف فى عضلة القلب بشكل مفاجئ»،ويعود إلى أمور جينية ومشاكل وراثية توجد فى بعض العائلات، وأضاف قائلاً «كتير بنسمع عن أسر ماتت كلها وهم فى سن صغيرة واحد ورا التانى وهنا بيكون السبب وراثى طبعا وبيؤدى للموت المفاجئ فعلا فى أى سن».


ويؤكد سمير أنه لتفادى هذا الأمر فإن على كل مواطن أن يخضع للفحص الدقيق وليست الفحوصات العادية، وإذا اثبتت الفحوصات أنه سليم، فعليه إعادتها دوريا كل 6 شهور، لأن هناك أمراضا من الممكن ألا يولد بها الطفل لكنها تظهر مع النمو.


و يوضح د.خالد سمير أنه على عكس ما يشاع كثيرا فإن «الضغط المرتفع» لا يكون سببا مباشراً فى الموت المفاجئ، لكنه يسبب مضاعفات على مدار حياة المريض تؤدى فى النهاية إلى وفاته لذا نسميه بـ «القاتل الصامت».

 

وعن النصائح التى ينبغى اتباعها عند تعرض أحدهم لأى نوبة إغماء أو اضطراب فى التنفس أو فى ضربات القلب، فيؤكد سمير أنه ينبغى الاتصال بالطوارئ على الفور، فى نفس اللحظة دون تأخير، كما أنه ينبغى اخضاعه للاسعافات الأولية من قبل أحد المدربين عليها.


ظاهرة قديمة


من جانبه أشار د. أحمد فتحي، استاذ القلب والعميد السابق لمعهد القلب، إلى أن الموت المفاجئ ليس بظاهرة حديثة على مستوى العالم، بل أنه يدرس بالفعل لطلبة الطب فى كافة الجامعات، إلا أنه ومع التقدم التكنولوجى وسرعة نقل الأخبار تم التركيز عليها وبدأ كافة المواطنين فى الانتباه لها.


وأضاف فتحى أن الموت المفاجئ له أسباب عدة وهى تتوقف على عوامل مختلفة سواء سن المريض، أو التاريخ المرضى لعائلته، أو الأمراض الوراثية المحتمل أن يكون مصابا بها، مؤكدا أن السبب البارز هو «توقف فى عضلة القلب» وهو سبب مباشر للوفاة فجأة.


وعن انتشار الوفاة بين الشباب أوضح أن هناك حالات تكون العوامل الوراثية هى السبب فى الوفاة بشكل مفاجئ ويكون على هيئة عيب خلقى فى القلب مثل «الذبذبة البطينية» وهو ينتشر فى بعض العائلات بعينها، إلا أنه بالرغم من ذلك فمن الممكن أن نقول أن هذا السبب غير رائج فنحو واحد من كل ألف متوفى ممكن ان تكون العوامل الوراثية هى السبب.


أما السبب الثانى وهو الأكثر انتشار فأكد فتحى أنه « التضخم فى عضلة القلب» نتيجة اضطرابات لا يكون المريض على دراية بها قبل الوفاة، أو تكون «الشرايين التاجية» فى موضع غير صحيح، والعيوب الخلقية، فمع المجهود الشديد تظهر الأعراض سريعا حتى تؤدى للوفاة فجأة، موضحاً أن ذلك منتشر بشكل بين الرياضيين ممن يلعبون رياضات بها مجهود كبير، ومع عدم خضوعهم للفحوصات الدقيقة لايلاحظون الاصابة بها، فهى لاتظهر عادة برسم القلب أو الأشعة التلفزيونية وتحتاج لأشعة مقطعية للتأكد منها بنسبة 100%.


مسئولية كبيرة


على جانب آخر أكد فتحى أن ماسبق يؤكد ضرورة الانتباه للأمر ومحاولة تفاديه خاصة فى المهن التى تحمل صاحبها مسئولية «أرواح» العشرات من المواطنين، كالطيارين فخضوعهم لأشعة مقطعية دورية أمر هام.


وعن انتشار جملة «الهبوط الحاد فى الدورة الدموية» فى تقارير الطب الشرعى لحالات الوفاة المفاجئة أوضح أن هذا السبب «عام» ويلجأ له الطبيب الشرعى طالما لم يأت المتوفى للمستشفى وهو فى حادث أو بحالة كدمة، أما الأسباب الدقيقة فتظهر بعملية التشريح أو رسم القلب، موضحا أن معرفة الأسباب الدقيقة تكون عادة فى حالة تواجد الحالة مسبقا داخل المستشفى.


نام زعلان.. صبح ميت

 

علماء النفس: الموت حزناً حقيقة وليست خرافة ..ونفتقد لثقافة «الترشيد النفسى» وحان الوقت لنشرها

 

طوال العقود الماضية ونحن نتداول قصصا مختلفة عن أفراد عاشوا بيننا لكنهم رحلوا فجأة دون أى مقدمات، وبالرغم من أنه لم يكن هناك رابط بينهم، إلا أن «الحزن» كان الحالة التى جمعتهم معاَ لتكون سببا فى الوفاة.


ومن أبرز الحوادث التى هزت المجتمع المصرى بأكمله كانت قصة الرائد هيثم عهدي، الضابط بإدارة الحماية المدنية بالقاهرة، والذى لم يحتمل نبأ وفاة صديقه الذى استشهد أثناء محاولته تفكيك قنبلة، فعقب وفاته لم يتحمل هيثم الخبر وظل لعدة ساعات أسير حزنه حتى توفى فجأة أثر هبوط حاد فى الدورة الدموية ليلحق بزميله وصديقه بعد أقل من 48 ساعة من وفاته.


ومن الممكن أن يكون الحزن سببا فى الوفاة لكن الصدمة وعدم القدرة على اجتيازها يكون السبب الأكبر للموت بشكل مفاجئ، ففى اليمن وتحديدا بمحافظة ذمار، لم يستطع زوج تحمل نبأ وفاة زوجته وبالرغم من استقباله للمعزين إلا أنه ظل لمدة ساعتين ونصف فى حالة من الحزن والصدمة حتى توفى فجأة وسط المعزين.


فى هذا الصدد تؤكد د.سوسن الفايد، استاذ علم النفس الاجتماعى أنه «بيولوجيا» من الممكن بشكل كبير أن يؤدى «التأثير الانفعالى الحاد» إلى الموت بشكل مفاجئ ودون أى مقدمات، وأوضحت قائلة «زمان كنا بنسمع كتير جملة نام زعلان وصبح ميت.. ودا طبعا حقيقى مش مجرد خرافة كنا بنتناقلها «.


وأوضحت د.سوسن الفايد أن الحالة النفسية هى المحرك الرئيسى للجانب البيولوجى، لذا لابد من الاهتمام خلال الفترة الحالية بنشر ثقافة التوعية النفسية، واقناع الأفراد أن ضبط الانفعالات من شأنها انقاذ حياتهم فى حالات كثيرة، أكدت أنه، وللاسف، لا يوجد بالمجتمع المصرى ثقافة «الترشيد النفسي» التى وصلت فى العديد من بلدان العالم إلى كونها رفاهية، مؤكدة أنه على الدولة تبنى حملة ثقافية للتوعية حول الطب النفسي.


أما د.جمال فرويز، استشارى الطب النفسى فيؤكد أن الحالة النفسية لها علاقة مباشرة بعدد من حالات الوفاة المفاجئة، مشيراً إلى أن هناك ما يسمى بالنواقل العصبية بجسم الانسان وهى ذات عدد ثابت فإذا زاد ناقل لابد وأن يقل مقابله ناقل آخر، لكى تحافظ على ثبات رقمها، وخلال هذه العملية تحدث مضاعفات للفرد من الممكن أن تؤدى لوفاته فجأة.


ويوضح الأمر قائلا : عندما يتعرض المريض إلى ضغوط نفسية بسبب أمور مادية أو تعليمية أو عاطفية فهناك أنواع معينة من النواقل تزيد ومقابلها ينقص أنواع أخرى ومن أشهر تلك النواقل الـسيروتونين، والدوبامين، والنور أدرينالين.. ومن ضمن تلك النواقل ما هو قابض للأوعية الدموية وعندما يتعرض الانسان لضغط ما، فتحدث بعض الأعراض ومنها الصداع الشديد والتنميل حول الفم وخنقة بالرقبة وألم بالمعدة، بجانب الحرقان بفروة الرأس.


ويضيف فرويز أن ما سبق يدفع القلب إلى زيادة نبضاته كتعويض لما يحدث فى الجسم وفى بعض الأحيان يؤدى الأمر إلى عدم تحمل عضلة القلب فتتوقف عن العمل، أو تحدث جلطة فيتوفى الفرد فى الحال، موضحا أن أى شخص معرض لهذا الأمر خاصة من لديه عيب خلقى فى المخ أو القلب لكنه لم يكتشف الأمر.


ويؤكد فرويز أن زيادة تناول المكيفات كالقهوة وشرب السجائر كوسيلة للتنفيس عن الضغوط أو الضيق والحزن، ما هو إلا «كارثة»إضافية تزيد من سرعة المضاعفات ومن الممكن التعرض للموت بالفعل، لذا ينصح فرويز بالبعد تماما عن المكيفات واستبدالها بالمهدئات الطبيعية كالتليو والكراوية والكردكديه والينسون.
 

 

 
 
 

 

ترشيحاتنا