حكايات| رحلة البحث عن ضريح الرسول في مصر (1)

مسجد محمد الأنور
مسجد محمد الأنور

أخبار الأدب: عبدالمجيد عبدالعزيز


في شارع ضيق بحي الخليفة في القاهرة، ووسط زحام من أضرحة ومقامات آل البيت، ينساه الجميع ولا يكاد يلتفت إليه أحد، فعلى بعد خطوات منه ضريح السيدة سكينة بنت الحسين بن علي، وفي نهاية الشارع يقف شامخا مقام السيدة نفيسة حفيدة الإمام الحسن بن علي، وبين السيدتين الجليلتين يجتمع عشرات من مشاهد الأشراف والصالحين، في منطقة يحلو لأهلها أن يطلقوا عليها لقب "بقيع مصر"، وفي وسط كل ذلك، يقف مشهد "محمد الأنور" هادئا منزويا بواجهته الضيقة ومساحته المحدودة، وكأنه يخفي سرا لا يريد لأحد فض أختامه.

اقرأ حكاية أخرى| بأي لغة كلم الله نبيه موسى؟.. ليست «العربية»


مسجد "محمد الأنور" هو واحد من الآثار المحيرة والغامضة، فصاحب المشهد لا نكاد نعثر له على ترجمة أو سيرة، فلم تذكره كتب الأنساب واحتارت فيه موسوعات المساجد والأضرحة، والقليل المتوافر عنه يطرح أسئلة أكثر مما يقدم من إجابات، كما أن المسجد ذاته لا يخلو هو الآخر من غموض حول تاريخه والغرض من بنائه والسر وراء بقائه صادما طوال هذه السنوات رغم عوادي الزمن.
تلك الحيرة التاريخية وراء مسجد "محمد الأنور" – أو "محمد الأصغر" كما تطلق عليه الكثير المصادر- كانت كفيلة بإثارة حماستي لبدء رحلة بحث دقيقة حول تاريخ المكان، إلا أنني لم أكن أتوقع أن ينتهي بي المطاف إلى ما توصلت إليه من فرضيات، ترسم تاريخا مختلفا وشائكا لهذا المسجد، وتربطه بأحد أشهر خلفاء الدولة الفاطمية الحاكم بأمر الله، وبأحد أكثر شطحاته جنونا، وهي محاولة نقله جثامين الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما من المدينة المنورة إلى مصر!
في السطور التالية سوف أحاول سرد تفاصيل رحلة البحث في تسلسل مبسط حتى يستطيع القارئ أن يسير معي دون أن تتسرب منه الخيوط، ونصل معا إلى تلك الفرضية التي إن صحت فسوف تغير بوصلة محبي آل البيت في ذلك الشارع المثير للاهتمام.


كرامات الولي المجهول
كانت البداية ببحث سريع أجريته عبر الإنترنت عن مسجد محمد الأصغر بهدف كتابة تقرير صغير عنه، كنت أنتوي جمع كل ما كتب عنه قبل أن أحدد من أين سوف أبدأ التقرير، ولكني فوجئت بأن كل ما كتب عن المسجد –على قلته- مليء بمعلومات متضاربة ومختلفة بشكل مثير للدهشة، وكانت أكثر هذه الاختلافات ينصب حول حقيقة الشخص المدفون تحت قبة المسجد!


وأمام هذا الارتباك، قررت تجاهل كل تلك المعلومات، والتوجه مباشرة إلى المسجد علَّني أعثر على معلومات دقيقة وموثوقة لدى القائمين على خدمته.
في منتصف شارع الخليفة، وقفت أتأمل المسجد بواجهته الضيقة وهو يكاد يغوص بين المباني العتيقة عن عمد، وكأنه يتهرب من نظرات المارة.
قبل أن أدلف من الباب الخشبي للمسجد، لمحت كتابة بخط النسخ فوق عتب حجري تقول "مسجد حل فيه نجل الزيد .. ذلك الأنور الأجل محمد"، قادني المدخل إلى ممر مستطيل تقع في آخره القبة الضريحية، وعلى يسار الداخل حجرات صغيرة ومكان للوضوء، ثم باب الجزء المخصص للصلاة.

 

اقرأ حكاية أخرى|  مفاجآت الكعبة.. حجارتها من 5 جبال وامرأة شاركت ببنائها لأول مرة 


كان مقيم الشعائر بالمسجد يجلس في نهاية الممر أمام الضريح، يراقب الداخل والخارج ويتلقى منهم النفحات، توجهت إليه وكشفت له عما أبحث عنه، كان هادئا يردد بعض الأوردة على مسبحته بعدما أنهى لتوه صلاة العصر، لم يجد حرجا في أن يعترف بأنه لا يعلم الشيء الكثير عن المسجد ولا عن صاحبه، لا هو ولا الإمام، حتى أنهما لا يعرفان كيف يردان على المريدين الذين اعتادوا زيارة المكان لنيل البركات، كل ما يعرفاه أن المدفون أسفل القبة هو محمد الأنور عم السيدة نفيسة، بحسب شجرة النسب الشريف المرسومة على أحد اللوحات المعلقة داخل المسجد.
كما أخبرني أن عمر المسجد قد يصل إلى 800 أو 900 عام، وأن المكان المخصص للصلاة أضيف حديثا، مرجحا أن حجم المسجد كان أكبر في الماضي بدليل وجود آثار لمباني يعتقد أنها كانت جزء من المسجد وأزيلت في وقت لاحق.
أثناء حديثي القصير معه، دخل إلى قبة الضريح عدة أشخاص بينهم سيدة في منتصف العمر دعا لها مقيم الشعائر بالزوج الصالح عندما دست عملة ورقية في يده، ورجل يرتدي بذلة ربما يعمل محامي أو أستاذ جامعي، وشاب له تسريحة شعر عصرية سجد وقبل أعتاب الضريح قبل أن يدلف إليه.
سألته عما إذا كان يقام مَولد لـ"محمد الأصغر"؟ فأجابني أن المسجد صغير لذا فإن الاحتفال بمولد صاحبه يتم في نفس الوقت الذي تقام فيه احتفالات مولد "السيدة سكينة" في منتصف شهر جمادى الأولى من كل عام.
شعرت أني لن أظفر بالكثير من مقيم الشعائر، وقبل أن أغادر طالبني برجاء صادق، إن توصلت إلى أي معلومات عن صاحب الضريح أن أجمع له هذه المعلومات في كراس صغير حتى يقوم بطباعتها وتوزيعها على محبي "محمد الأنور" وكل من يسأل عنه وعن تاريخه.


بعدما خرجت لاحظت وجود منزل متهالك ملاصق للمسجد، يبدو أنه خال من السكان وآيل للسقوط، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود محلين تجاريين أسفله ما يزالان يمارسان نشاطهما، منظر المنزل المخيف يوحي بأنه قد ينهار في أية لحظة فوق رؤوس المارة ويدمر المسجد.


بخطوات حائرة غادرت المكان، وأنا أسأل نفسي: إذا كان القائمين على المسجد لا يعرفون عنه شيئا، فما بال عموم الناس الذين يأتون لزيارة الضريح؟! قطعا هم لا يعرفون أي شيء عن صاحبه، وبالرغم من ذلك لم يمنعهم جهلهم بالرجل المدفون أسفل القبة من تقديس المكان والحرص على زيارته والتبرك به والتبرع له ولخدامه!
وأمام هذه الحيرة، قررت اللجوء إلى كتب التاريخ والآثار الإسلامية بهدف الوصول إلى معلومة دقيقة يمكن الاعتماد عليها بشأن المسجد وصاحبه.

أثر فاطمي عمره ألف عام
يقول الدكتور عاصم رزق في كتابه الموسوعي "أطلس العمارة الإسلامية والقبطية بالقاهرة"، إنه لم يعثر على ترجمة وسيرة لمحمد الأنور في كل المصادر والمراجع التي استطاع الاطلاع عليها خلال إعداده لتلك الموسوعة، وهو ما يبرر عدم إحاطة القائمين على المسجد حاليا بأي معلومات واضحة عن "محمد الأنور"، ويبرر سبب عدم إقامة مَولد مستقل له حيث لا يعرف أحد لا تاريخ مولده ولا وفاته.
وبالرغم من ذلك، يمكن إجمال الآراء حول شخص المدفون في قبة محمد الأنور إلى 4 آراء، الأول قول علي مبارك في "الخطط التوفيقية" نقلا عن السخاوي في كتابه "تحفة الأحباب وبغية الطلاب"، من أن البعض يزعم أن محمد الأنور هو نجل زين العابدين بن الحسين بن علي، حيث يرجح علي مبارك عدم صحة هذا القول بدليل أن علماء الأنساب لم يذكروا أن زين العابدين كان له ولد يدعى محمد الأنور أو محمد الأصغر من الأساس، مستشهدا بقول العبيدلي النسابة أن مشهد محمد الأنور "من مشاهد الرؤيا".

اقرأ حكاية أخرى|  أحله لثلاثة أيام.. قصة «نبيذ» أحبه النبي


والرأي الثاني هو الرأي الأكثر شيوعا والذي تعتمده وزارة الأوقاف المصرية طبقا للوحة النسب الشريف المعلقة داخل المسجد، وهو أن محمد الأنور ابن زيد الأبلج بن الحسن بن علي، أي أنه عم السيدة نفيسة صاحبة المشهد الشهير بالقاهرة.
بينما يرى حسن قاسم في كتابه "المزارات الإسلامية" رأيا ثالثا، وهو أن "محمد الأنور" هو ابن زيد شقيق السيدة نفيسة وليس عمها -وعلى الرغم من تبني حسن قاسم لهذا الرأي إلا أنه ذكر مسجد محمد الأنور ضمن مشاهد الرؤية في كتابه!.
أما الرأي الرابع، فهو رأي ينتشر على بعض المواقع غير الموثوقة على الإنترنت، ويبدو أن صاحبه أراد التوفيق ين الرأيين السابقين، فزعم أن المدفون أسفل قبة مسجد محمد الأنور هما شخصان، عم السيدة نفيسة وابن شقيقها معا!
 

وللرحلــة بقيــة ..
 

 

 
 
 

 

ترشيحاتنا