حوار| د. إلهام شاهين: النبي كان يتفهم «غضب» زوجاته ويدللهن

د. إلهام شاهين
د. إلهام شاهين

أصبح استقرار الحياة الأسرية، مهدد بشكل كبير في ظل افتقاد ثقافة التعامل الصحيحة بين الزوجين، بالإضافة إلى اختلاف المفاهيم والتحول إلى التكنولوجيا في معظم الأمور المتعلقة بالحياة بشكل كبير.

ومن هنا كان لنا حوار خاص مع الدكتورة إلهام محمد شاهين، عضو هيئة تدريس بجامعة الأزهر، لمعرفة بعض التفاصيل الخاصة بحب الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجاته أمهات المؤمنين، وكيف كانت ثقافته في التعامل معهن.

وإليكم نص الحوار..

- «الفتور العاطفي والزواج الصامت» مشاكل باتت تهدد الأسر المصرية.. فما السبب؟

يتجاهل كثير من  الأزواج حاجة الزوجة إلى تجديد المشاعر والتغيير في أسلوب التعامل الروتيني معها، بل ويجهل البعض منهم قراءة تعبيرات الزوجة عن رضاها أو غضبها، وبالرغم من معرفة هؤلاء الرجال بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم لا يجيدون السير على طريقته في التعامل مع زوجاته، ويتغاضون عن سنته في تعبيره عن حبه لزوجاته.

ولذا نجد أن العلاقة بين الزوجين أصبح يشوبها في هذه الأيام كثير من القلق والاضطراب خاصة في ظل وسائل الاتصال الحديثة، ومواقع «التباعد الاجتماعي»، عفوا أقصد مواقع التواصل الاجتماعي، التي تلهي الأسرة وتجعل كل فرد فيها له عالمه الخاص الذي يعيش فيه بعيدا عن أهله وذويه.

 فإذا احتاج ليد حانية وقلب محب لم يجد البعيد ووجد القريب أبعد ما يكون منه بالجفا والإهمال، ولو أننا أحببنا رسولنا لاتبعنا سيرته ومشينا على سنته وها هو أرقى الناس في المشاعر وأكثرهم حرصا على إظهار المحبة لزوجاته والتواصل معهن  بالقول والفعل، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».

- كيف كان يتعامل النبي مع «غضب» زوجاته؟

رسولنا الكريم كان يجيد قراءة مشاعر زوجاته دون أن تحتاج إلى الإفصاح عن تلك المشاعر، فيقول للسيدة عائشة رضى الله عنها: «أني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عني غاضبة، أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين لا ورب محمد، وإذا كنت عني غضبى قلت: لا ورب إبراهيم» رواه مسلم.

فإذا كانت غاضبة دللها بأحب الأسماء والصفات لها وذكرها بمكانتها عنده ورفعتها بسببه عند أعظم الملائكة فيقول لعائشة: « يا عائش، يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام»، وكان يقول لها أيضا: يا حميراء، والحميراء تصغير حمراء يريد يا صاحبة الوجه الأبيض المشرب بحمرة.

فإذا شربت زوجته تتبع مكان فمها فشرب منه وإذا أكلت تتبع مكان أسنانها فأكل من موضعها، وقالت عائشة تروي ذلك عنه: « كنت أشرب فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيّ، وأتعرق العرق فيضع فاه على موضع فيّ». رواه مسلم.

والعَرْق هو العظم عليه بقية من اللحم، وأتعرق أي آخذ عنه اللحم بأسناني، فكان يفعل ذلك أمامها ليلاطفها ويظهر لها حبه وغرامه بتفاصيلها، فإذا كانت فى أعمال المنزل ترفق بها فلم يكلفها عملا له، بل ساعدها في أعمال منزلها، وقام بما يخفف عنها، فإذا أتى الليل خرج ليسير معها ويلاعبها ويداعبها،

وسئلت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله، أي يقوم بأعماله الخاصة به بنفسه تخفيفا عليها.

وسئلت السيدة عائشة رضي الله عنها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ قالت: كان بشرًا من البشر، يخيط ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه.

وعندما تغضب زوجته فتثور وتريد من يحكم بينهما فيسألها عمن ترضاه حكما بينهما ويعرض عليها الأسماء: هل ترضين أن يحكم بيننا أبو عبيدة بن الجراح؟ فتقول : لا، هذا رجل لن يحكم عليك لي، قال: هل ترضين بعمر؟ قالت: لا، عمر رجل غليظ، قال: هل ترضين بأبي بكر «أبيها»؟ قالت: نعم.

ويأتي أبو بكر فيسمعها وهي ترفع صوتها على النبي وهو يتحمل ثورتها ويمتص غضبها ويشرك أبيها في الحكم بينهما فإذا زال الغضب وهدأت النفوس وضع يده على كتفـها ودعا لها بقوله: «اللهم اغفر لها ذنبها وأذهب غيظ قلبها، وأعذها من الفتن».

- وماذا عن المشاكل الناجمة عن الغيرة؟

كثير من الأزواج لا يتحمل غيرة زوجته ولا يتفهم أن تلك الغيرة نتيجة الحب المفرط له، ولكن حبيبنا النبى الكريم يعلم دوافع الغيرة ويعرف كيف يعالجها ولا يجعلها تؤثر بالسلب على حياتهما، ويبرر تصرفات الغيرة من زوجته، وفي ذلك يروي أنس رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عندَ بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصَحْفةٍ – إناء - فيها طعامٌ، فضربت التي النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بيتها يدَ الخادم، فسقطت الصَّحْفةُ، فانفَلَقَتْ، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول : «غارت أمُّكم»، ثم حبس الخادمَ حتى أُتِي بصَحْفَةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفع الصَّحْفَةَ الصحيحة إلى التي كُسرت صَحْفَتُها، وأمسَكَ المكسورة في بيت التي كسَرَتْ، ويبرر لها أيضا لماذا أخذ من بيتها إناء فيقول : إناء بإناء أي لا يجب أن تجعلك الغيرة تفسدين على الناس أشياءهم ومن أفسد شيئا فعليه إصلاحه.

ويعلمها أن الغيرة تلاعب من الشيطان برأس الزوجين وعليهم أن يتجنبا تلك الغيرة حتى لا تفسد عليهم حياتهم، ولذا روى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عند عائشة ليلا، قالت: فغِرْتُ عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: مالكِ يا عائشة! أَغِرْتِ؟ فقلتُ: وما لي لا يغارُ مثلي على مثلِك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقد جاءك شيطانُكِ؟ قالت: يا رسول الله! أوَ مَعِيَ شيطان؟ قال: نعم، قلت: ومع كلِّ إنسان؟ قال: نعم، قلتُ: ومعك يا رسول الله؟! قال: نعم، ولكنَّ ربي أعانَني عليه حتى أسلم.

وهي القائلة رضي الله عنها: «ما غِرتُ على امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ما غِرتُ على خديجة، ولقد هلَكَتْ (ماتت) قبل أن يتزوَّجَني بثلاث سنين، لمِا كنتُ أسمَعُه يذكُرها» رواه البخاري، وفي رواية لأحمد أنها رضي الله عنها غارتْ من حسن ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة رضي الله عنها فقالت: «ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق، كبيرة السن».

وأبدلك الله عز وجل بها خيرا منها، فقال: صلى الله عليه وسلم: «ما أبدلني الله عز وجل خيرا منها، قد آمنتْ بي إذ كفر بي الناس، وصدَّقتْني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها».

- وكيف كان حب النبي للسيدة خديجة رضي الله عنها؟

يمكننا ذكر صورا مختلفة فىغ حب النبى لأولى زوجاته السيدة خديجة رضى الله عنها، فمن حبه لها وكرامتها عليه أنه لم يتزوج إمرأة قبلها، كما أنه لم يتزوج عليها قط في حياتها، ولا تسري إلى أن قضت نحبها فحزن لفقدها وكان كثير الذكر لها بعد موتها، يستغفر لها و يثني عليها، ويسعد بكل من يزوره من أهلها بعد موتها.

وكان صلوات الله عليه، «يهش ويبش» لهالة بنت خويلد أخت خديجة إذا سمع صوتها بعد موت أختها، روى الإمام البخاري في صحيحه بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: اللهم هالة، «لأن صوتها كان يشبه صوت خديجة فاهتز لذلك سرورا بمجرد سماع صوت يشبه صوتها».

ولا ينساها فيتصدق عليها بعد وفاتها وإن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها، أي خليلاتها وصديقاتها، ويظل وفيا لها معترفا بحبها، فعن عائشة أيضا قالت ما غِرت على نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلا على خديجة، وإني لم أدركها.

وقالت «عائشة»: وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذبح الشاة فيقول : أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة، قالت : « أي عائشة » فأغضبتُه يوما، فقلت : خديجة !! فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : « إني قد رزقت حبّها ».

- وكيف كانت معاملة النبي مع صاحبات زوجاته؟

 كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل باحترام مع صاحبات خديجة ويحتفي بهنّ، فقد وقف صلى الله عليه وآله وسلم على عجوز فجعل يسألها، ويتحفاها، وقال :« إن حسن العهد من الإيمان، إنها كانت تأتينا أيام خديجة».

وروي عن أنس قال كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتي بهدية قال: « اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة إنها كانت تحب خديجة».

- معظم النساء تشعر بعدم الاهتمام بما يردن.. فكيف كان النبي في حياته مع زوجاته؟

كان يعرف طبائع النساء فيفعل كل طيب جميل تحبه المرأة، ولأن المرأة تأنف الروائح الكريهة وتحب الروائح الطيبة الزكية، كان صلى الله عليه وسلم يتطيب بالمسك ويتسوك بالسواك، وقالت عائشة: كأني أنظر إلى وبيض المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم، وسُئِلَتْ عائشة: «بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك».

- وماذا عن الشك في حياة رسول الله وزوجاته؟

من الصفات التى تكرهها المرأة في الرجل الشك وتلمس العثرات للزوجة، والنبي صلى الله عليه وسلم، ما كان يفعل ذلك أبدا بل كان ينهى الصحابة عن فعل ذلك حتى تسود المحبة كل بيت، ونهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً وأن يخونهم، أو يلتمس عثراتهم. رواه مسلم.

وهكذا كان مع كل زوجاته الصغيرة والكبيرة الأحياء منهن والأموات عادلا في معاملته ومظهرا لمحبته ومحتويا لكل زوجاته.

 

 

 

 

 

 

 
 
 

 

ترشيحاتنا