أخر الأخبار

حبوا بعض

تضم الأساطير القديمة فيما بين سطورها، الكثير من الحكم الحياتية العميقة

أمنية طلعت
أمنية طلعت

تضم الأساطير القديمة فيما بين سطورها، الكثير من الحكم الحياتية العميقة. فقط لو تأملنا تفاصيل الحكاية جيداً، فما قصص الصراع بين الإنسان والآلهة فى الأساطير اليونانية والرومانية، إلا تجسيد لمعاناة البشر فى الحياة، وصراعهم اليومى من أجل الاستمرار وتجاوز المحن فى محاولة مستميتة للوصول إلى السعادة أو الراحة أو الأمان أو الاطمئنان، أو أى معنى يجسده إحساس من هذه الأحاسيس، فالإنسان على مدار كافة العصور السابقة لا يترك أثراً لا يحكى عن قلقه الدائم من أجل الوصول إلى منطقة الراحة السرمدية.
تنتالوس وسيسيفوس وتيتيوس، ثلاث شخصيات تجسد العذاب فى الدرك الأسفل والذى حمل اسم «تارتاروس» فى المعتقدات اليونانية القديمة، ورغم أن ثلاثتهم ينفذون عقوبة الخطيئة التى ارتكبوها، إلا أن الأدباء والشعراء على مدار العصور تعاطفوا معهم، وجسدوا من خلالهم المعاناة البشرية فى الحياة، فنجد مثلا الشاعر الكبير الراحل أمل دنقل، يستعين بشخصية حامل الصخرة سيسيفوس أو «سيزيف» فى قصيدته «كلمات اسبارتاكوس الأخيرة» فيقول: (سيزيف لم تعد على أكتافه الصخرة، يحملها الذين يولدون فى مخادع الرقيق، والبحر كالصحراء لا يروى العطش، لأن من يقول لا، لا يرتوى إلا من الدموع).
ربما تأثرت كثيراً فى الماضى بشخصية سيسيفوس، لكنى مؤخراً انتبهت لمأساة تنتالوس، فهو الأكثر مدعاة للحزن عليه، فكل جريمته أنه سرق طعام الآلهة وشرابها، فحكمت عليه الآلهة بالجوع والعطش والخوف الأبدى، ورفعت فوق رأسه صخرة معلقة فى الهواء توشك أن تقع عليه، فيظل خائفاً للأبد! لكن تناول هوميروس لمأساة تنتالوس كان أكثر قساوة، فلقد ذكر فى روايته أن الآلهة عاقبته بأن وقف على حافة غدير ومن حوله أغصان الأشجار تتدلى منها الثمار، كلما حاول أن يشرب الماء عاد إلى الخلف، وكلما حاول أن يأخذ ثمرة من الثمار، ارتدت الأغصان إلى الخلف، وهكذا يعذب أبدياً بالجوع والظمأ!.
هذا العذاب الذى يفوق حجم الخطيئة بملايين المرات، فسره الأديب الرومانى شيشيرون بأنه يجسد خوف الإنسان غير العقلانى الذى يمنعه من المغامرة، وهذا ما أعتقده أيضاً، فأغلبنا يعيش فى حيز ضيق من الحياة، تاركاً أطرافها الشاسعة خوفاً من عواقب وخيمة غير محددة قد تقع، فيظل الإنسان قابعاً مكانه يشاهد متع الحياة من حوله يستمتع بها غيره، دون أن تواتيه الشجاعة ولو مرة واحدة، بأن يمد كفه ويقطف ثمرة.
إن من أفهمنا أننا يجب أن نعيش حياة آمنة تماماً بلا أى نوع من الأخطار، أخطأ بحقنا كثيراً، لأنه مع ثباتنا داخل دوائرنا الضيقة لا تخلو الحياة من الأخطار، فلماذا لا نقدم بأنفسنا على المغامرة؟!