ورقة وقلم

ياسر رزق يكتب من مكة المكرمة: رسائل مكة .. وبوصلة السيسي

ياسر رزق
ياسر رزق

على غير توقع، أبرقت السماء وأرعدت، وأمطرت على البيت الحرام والبلد الحرام، قبيل غروب شمس السادس والعشرين من رمضان.

 

حملت الأمطار الغزيرة التي هطلت في غير أوانها، نسائم رطبت أجواء حارة أتت قبل موعدها، ومع الهواء الرطب وقت الغروب استبشر الناس خيراً بليلة القدر أن تحمل لهم وللأمة الإسلامية أيام أمن وسلام واستقرار تبدل أحوالاً صعبة عاشوها وتبدد قلقاً من مستقبل يكتنفه المخاوف والتوجس من ترد جديد في أوضاع هى في الأصل متردية.

 

كان إمام المسجد الحرام، يتلو دعاءه في ركعة الوتر بصلاة التهجد في ليلة القدر، يبتهل إلى الله أن يزيل الغمة، ويقي الأمة شر الإرهاب، والفتن، والطائفية، وأن يحفظ المسجد الأقصى أول القبلتين وثالث الحرمين.

 

ومن وراء الإمام، كان الملايين من المعتمرين والزوار والمقيمين في مكة المكرمة، يرددون الأدعية، التي ملأت أصداؤها أجواء المدينة المقدسة، وترامت إلى مسامع قادة الدول الإسلامية المجتمعين في قصر الصفا المطل على الكعبة الشريفة من فوق التلال التي تحتضن البيت الحرام من الشرق.

 

الرئيس عبد الفتاح السيسي مع قادة وزعماء الدول الإسلامية

 

< < <

 

دوى دعاء المصلين يؤمِّنون على ابتهال الإمام، بأن يوفق ولاة أمور المسلمين، إلى ما فيه خير الأمة وشعوبها، في سماء المكان، بينما كان القادة يتحدثون في قمتهم الطارئة التي بدأت أعمالها في الساعة الأولى من صباح اليوم الجديد السبت، وانتهت قبيل حلول الفجر ببيان حفِل برسائل من مكة المكرمة، تؤكد على رسائل صدرت قبلها بيوم من القمة العربية الطارئة وأيضا القمة الخليجية الطارئة التي اقتصرت على قادة الدول الست، وتضيف عليها رسائل جديدة تشدد على وحدة الموقف إزاء المخاطر على الأمة العربية من تخومها وجوارها، وعلى الأمة الإسلامية من قلبها وبعض أبنائها، وتجاه التهديدات التي تحيق بالأمتين من خارجها طمعاً واستضعافاً واستهانة واستكباراً، وخلطاً متعمداً بين الإرهاب والدين.

 

< < <

 

بعد انتهاء القمة العربية في الساعات الأولى من صباح الجمعة، قال لي مسئول عربي كبير: «سمعت كلمة الرئيس السيسي؟.. أظنها تحتاج منا إلى قراءة متأنية.». ورددت عليه: «دعنا ننتظر كلمته غداً أمام القمة الإسلامية. أظنها ستكمل خارطة الطريق التي رسم ملامحها، لتمتد إلى الأمة الإسلامية في مجملها».

 

دونما مبالغة.. كانت كلمتا السيسي في القمتين هما البوصلة التي تحدد طريق الأمتين العربية والإسلامية في مسيرة الحاضر والمستقبل القريب الصعبة، المحفوفة بالمنحنيات الخطرة ومفارق الطرق المحيرة، والعراقيل العسيرة، والتي تتهددها المخاطر من كل اتجاه.

 

على مستوى الرأي العام العربي.. كانت النظرة إلى قمم مكة المكرمة الثلاث، على أنها ستقتصر في مداولاتها على قضية التهديد الإيراني لدول الخليج، متمثلاً في حادث الاعتداء على السفن الأربعة أمام ساحل الإمارات على خليج عمان والذي يشير إلى أن استهداف حركة نقل النفط لن يكون مغلقاً على الخليج العربي أو مضيق هرمز، وإنما سيصل إلى المياه المفتوحة في خليج عمان وربما ما وراءها في بحر العرب والبحر الأحمر. وكذلك في حادث استهداف منشأتي نفط قرب العاصمة السعودية الرياض بطائرتين مسلحتين بدون طيار تابعتين لميليشيات الحوثي، المدعومة تسليحاً وتدريباً وتمويلاً من إيران.

 

كان الرأي العربي وبعض الساسة يتوقعون أن تكون هذه هى قمم التصدي للخطر الإيراني وكفى، وكان البعض من النخبة في العالمين العربي والإسلامي ينتظرون أن تكون هذه هى قمم فتح الأبواب وإعطاء إشارة اللا ممانعة للتدخل الأمريكي ضد إيران، وإلحاقها بالعراق الذي أعاده الغزو الأمريكي إلى الوراء قروناً، تخريباً وتدميراً وتمزيقاً.

 

غير أن كلمة الرئيس السيسي أمام القمة العربية الطارئة، ومن بعدها حديثه أمام القمة الإسلامية، وجهت بوصلة المداولات إلى حيث يجب أن تكون، وفق نظرة شاملة لمجمل المخاطر والتهديدات والتحديات التي تحدق بالأمن القومي العربي، وبالأمة الإسلامية داعياً إلى اتخاذ إجراءات وتدابير وفق إستراتيجية شاملة تعيد للأمة العربية الأخذ بزمام المبادرة الذي افتقدته وتتناسب مع حجم المخاطر والتحديات.

 

< < <

 

بوضوح.. شدد الرئيس على أمرين هما: أن الهدف من القمة العربية الطارئة هو رسالة تضامن مع السعودية والإمارات في ضوء بناء إستراتيجية شاملة للأمن القومي العربي، وكذلك رسالة حزم وحكمة في مجابهة التهديدات مع مجابهة جميع التدخلات في الشئون العربية بنفس الدرجة.

 

الحزم والحكمة هما المطلوبان في مجابهة تلك التدخلات من جانب دول جوار للعرب، يفترض فيها أنها قريبة تاريخياً وشعبياً ودينياً مع الأمة العربية.

 

حزم في التصدي لأي تدخل وردعه، وحكمة في مجابهة أصحاب التدخلات.

 

فلن يقبل العرب التهاون في أي تدخل أو تهديد أو خطر على بلادهم وأمنهم من أي طرف كان، سيما آخر تلك التدخلات من جانب إيران والميليشيات التابعة له ضد السعودية والإمارات.

 

وفى ذات الوقت، لا يريد العرب اقتياد المنطقة بعنفوان الرغبة في الثأر، إلى أتون كارثة جديدة، هى في غنى عنها، ستمتد نيرانها وسيطول لهيبها الأمة العربية، ولن يقتصر الحريق على أصحاب التدخلات والأطماع والحماقة.

 

< < <

 

الحزم لا بديل عنه في رأي الرئيس، لكن الحكمة ضرورة.

 

لابد من ردع مرتكبي الأعمال العدوانية ضد السعودية والإمارات ومحاسبتهم، كما يقول الرئيس. لكن لابد أيضا من مواجهة جميع التدخلات بنفس الدرجة من الحزم.

 

لا تحتاج كلمة الرئيس الواضحة الصريحة البليغة أمام قادة العرب إلى ترجمان.

 

لكن بالقراءة المتأنية لها نجدها تشير بأصابع الاتهام إلى إيران بتدخلاتها ضد السعودية والإمارات وانغماسها الضار في الأزمتين اليمنية والسورية، وتشير أيضا بأصابع الاتهام إلى تركيا لاحتلالها أجزاء من شمالي العراق وسوريا، وكذلك إلى قطر التي حادت عن مقتضيات الأمن القومي العربي وشاركت في التدخلات ضد أشقائها العرب.

 

غير أن كلمة الرئيس لم تغفل ولم يكن للسيسي أن يغفل قضية العرب المركزية وهى القضية الفلسطينية.

 

دونما مزايدات أو عبارات مطاطة المعاني، رد رئيس مصر بوضوح على كل ما يتردد بشأن ما يسمى بـ «صفقة القرن» وكأنها عقد بيع بالإذعان لابد أن يوقعه العرب. قال السيسي: إن القضية الفلسطينية ستظل قضية العرب المركزية، وبدون الحل السلمي الشامل الذي ينهي الاحتلال ويقيم الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، لا أمن ولا استقرار في هذه المنطقة.

 

بتفصيل أكثر في كلمته أمام القمة الإسلامية تحدث الرئيس عن القضية الفلسطينية والدولة المستقلة وعاصمتها القدس، قائلا: إن أي حديث عن عدل وأمن وسلام لا يستقيم في ظل استمرار هذه القضية بغير حل شامل يحقق الطموحات المشروعة للشعب الفلسطيني. وشدد على أن حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الشرعية غير القابلة للتصرف هو الطريق الوحيد للسلام العادل والشامل في المنطقة والسبيل لقطع الطريق على مزايدات الإرهابيين المتاجرين بمعاناة الأشقاء الفلسطينيين.

 

< < <

 

الطريق إلى تعزيز العمل الإسلامي المشترك في منظور الرئيس السيسي هو وحدة الكلمة والصف، مثلما كان السبيل إلى مجابهة المخاطر على الأمة العربية في رؤيته هو الحزم والحكمة.

 

حين يتحدث الرئيس عن التحديات التي تجابه الأمتين العربية والإسلامية يبدو من كلماته أنها تفرد خريطة للعالم العربي، وأخرى للعالم الإسلامي، وتجري تقييماً للأوضاع وتحديداً لأسبابها وتلقي نظرة بعيدة ممتدة على سبل الإصلاح.

 

أهم سبيل للمجابهة ضد المخاطر وردع التهديدات وتخطي التحديات أمام الأمة العربية، كما يرى الرئيس السيسي، هو تجديد النقاش حول آليات العمل العربي المشترك والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب وفق إجراءات سياسية وأمنية.

 

ولعل الرئيس السيسي كان يذكر الجميع بالاقتراح الذي طرحه على قادة العرب في القمة العربية السادسة والعشرين التي انعقدت بشرم الشيخ عام 2015، وهو إنشاء قوة عربية مشتركة للتصدي للتهديدات التي تواجه الأمن القومي العربي.

 

وأظن أن ذلك الاقتراح، عاد من جديد إلى بؤرة صدارة اهتمام الدول العربية، وربما نسمع قريباً عن إجراءات في هذا الاتجاه.

 

وأحسب أن الدول العربية لو كانت أخذت به منذ ذلك الحين قبل 4 سنوات مضت، ما كنا نتحدث الآن عن بعض تهديدات وتدخلات، ولكانت الأوضاع في دول عربية في قلب الأمة أفضل حالاً لشعوبها.

 

< < <

 

بيان النقاط العشر الذي صدر عن القمة العربية تركز على إيران. على تدخلاتها سواء بنفسها مباشرة أو بالوكالة عن طريق أتباعها كجماعة الحوثي وغيرها. ولكنه تحدث عن جهود دبلوماسية ولم يلجأ إلى التهديد بالقوة أو التلويح بالحرب، مثلما كان يظن البعض ويعتقد البعض الآخر!

 

حظى البيان بإجماع الدول العربية، عدا العراق! والأسباب مفهومة!

 

أدان البيان أعمال ميليشيات الحوثي، وأدان صواريخها ضد السعودية ودعم إيران المتواصل لها، وأدان تدخلات إيران في شئون البحرين واستمرار احتلالها جزر الإمارات الثلاث وندد بتدخلها في الأزمة السورية.

 

وفى نفس الوقت.. أكد على احترام مبادئ الجوار وأهمية الامتناع عن استخدام القوة أو التلويح بها، مشيراً إلى أن سلوك إيران ينافي هذه المبادئ ويهدد الأمن والاستقرار. وشدد البيان على ضرورة تكثيف الجهود الدبلوماسية بين الدول العربية ودول العالم والمنظمات الدولية لتسليط الضوء على ممارسات إيران التي تعرض الأمن والسلم للخطر.

 

اقتصر البيان على 10 نقاط رغبة في الاختصار، لكنه تضمن التأكيد على أن قضية فلسطين هى قضية العرب المركزية، محيلاً إلى قرارات قمة القدس بالظهران والقمة العربية الأخيرة بتونس التي تضمنت بالتفصيل موقف الدول العربية من كل ما يتعلق بهذه القضية.

 

أما بيان قمة دول التعاون الإسلامي، فقد أتى بكل قضايا الدول والمجتمعات الإسلامية وأجملها في مائة نقطة. أي عشر أمثال نقاط بيان القمة العربية.

 

ومع تنوع القضايا وتعدد المواقف التي تناولها البيان، كان التركيز فيه على القضية الفلسطينية وعلى الموقف من القدس والجولان، في رفض واضح لقرارات الإدارة الأمريكية بشأنهما. وكذلك التضامن مع السعودية والإمارات وإدانة الأعمال التخريبية التي تعرض لها البلدان ودعوة المجتمع الدولي إلى تحمل مسئولياته إزاءهما دونما إشارة إلى دولة بعينها أو إيران على وجه التحديد.

 

< < <

 

رسائل مكة بالأخص العربية منها، قبل الإسلامية، كانت واضحة بشأن التدخلات الإيرانية والحزم في مواجهتها متحلياً بحكمة الجهود الدبلوماسية. وأحسب أن إيران وكذلك تركيا ومعهما قطر التي حضرت القمم الثلاث بتمثيل عال من رئيس وزرائها قد أدركت جميعها من كلمة السيسي أن الصبر العربي قد نفد وأن الكرامة العربية لن تقبل بالتدخل في شئون الأمة أو احتلال أجزاء من أراضيها تحت أي ذرائع، وأن علاقات الأخوة العربية تتنافى مع مساعدة الأجنبي على التدخل والتهديد.

 

ولعل تلك الرسائل لم تتقوقع داخل حدود العالمين العربي والإسلامي، وإنما امتدت عبر الأطلنطي إلى الولايات المتحدة.

 

وأظن أبلغ رسائل مكة المكرمة إلى إدارة ترامب، كما فهمتها، تقول: إن العرب والمسلمين يريدون ردعاً للتهديدات والتدخلات من جانب إيران وغيرها، ولا ينفخون في كير حرب مدمرة، ليست المنطقة بوسع تحملها ولا قادرة على حمل عبء تبعاتها.

 

يقول العرب والمسلمون بوضوح للجانب الأمريكي: إن قراراتك تجاه القدس والجولان غير شرعية ولا تقبلها دول الأمتين التي يبلغ عددها أكثر من ربع عدد دول العالم.

 

ويشددون على أن أي حل لا يقيم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، لن يكتب له القبول ولا الحياة، سواء كان اسمه «صفقة القرن» أو «صفقة ترامب» أو «صفقة منتهى المطاف».

 

المحك في نجاح القمة العربية الطارئة، يرتبط في ظني بالقدرة على اتخاذ إجراءات عاجلة نحو تنفيذ فكرة إنشاء القوة العربية المشتركة كآلية فعالة لمواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية على الأمن القومي العربي.

 

والمحك في نجاح القمة الإسلامية، سيكون في المراجعة لما تم من إجراءات، والتي ستشهدها القمة القادمة في سبتمبر المقبل، خلال الاحتفال بمضي 50 عاماً على إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي، التي صار اسمها منظمة التعاون الإسلامي.

 

وفى كل الأحوال.. أظن رسائل مكة المكرمة من قممها الثلاث قد وصلت إلى من يهمه الأمر ويعنيه، أو هكذا أرجو وأتمنى!
 


ترشيحاتنا