محمد داود يكتب: لماذا أنـا مؤمن؟ 

محمد داود
محمد داود

في سلسلة مقالات للدكتور محمد داود أستاذ علم اللغة بجامعة قناة السويس، يسلط الضوء على قضية الإلحاد، من خلال الرد على تساؤلات وردت بالفعل، ننقلها لكم يوميًا.

عمل في  البداية على نشر هذه التساؤلات عبر صفحة على موقع «فيسبوك»، تحمل اسم « الملحدون يعترفون»، ثم أشار عَليه بعض أصحابه بسلسلة تجمع خلاصة هذه الحوارات فى كتاب لتكون متاحة لمن لا زالوا يفضلون النسخة الورقية للكتاب على النسخة الإلكترونية.

 

وإلى اللقاء الثالث.. لماذا أنـا مؤمن؟ 

عزيزى...
إن سبب إیمانى هو إجلالى للخالق العظیم، فأنا أرى فى عظمة كل مخلوق دلیلًا على عظمة الخالق.
وسبب إیمانى هو حبى لصفات الإله، فهو رحمن رحیم، وهو ودود.. وهذه الصفة تأسرنى جدًّا جدًّا؛ إن الإله العظيم یتودد إلى عباده الضعفاء.. یتودد إليهم بالعفو.. بالمغفرة.. بالرحمة.. بمضاعفة الثواب.. بالتوفيق. 
سبحانه.. ما أعظمه!!!
وسبب إیمانى ما أراه من طلاقة قدرة الخالق.. فى كل یوم یكتشف العلم جدیدًا من المخلوقات، وهم أمم أمثالنا..{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ } [الأنعام: 38]، والذى لا نعرفه كثیر.. كثیر كثیر.. سبحانه {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8].
وسبب إیمانى أن الإله الخالق العظیم كرَّمنى، فأنا الخلیفة المكرَّم.. الخلیفة الذى یقوم بتنفیذ منهج الله فى الأرض، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، والمكرَّم لقوله تعالى:  {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } [الإسراء: 70].
حیث سخر لى ما فى السماوات وما فى الأرض.. وأسبغ علىَّ نعمه ظاهرة وباطنة.
وسبب إیمانى أن حیاتى بیده وموتى بیده..{يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحديد: 2].
وسبب إیمانى أن سعادتى فى اتباع هدیه..{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].
وسبب إیمانى أنه یخاطب عقلى بأسلوب مقنع..{أَفَلَا يَعْقِلُونَ} [يس: 68].. {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82]، {لِأُولِي الْأَلْبَابِ } [آل عمران: 190].
وسبب إیمانى أنه یأمرنى بالتسامح والرحمة مع الآخر {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]
وسبب إیمانى أنه جعل حمایتى فى الالتزام بالعمل الصالح، وأن أقابل الشرَّ بالخیر.. {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [المؤمنون: 96]، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83].
وسبب إیمانى.. أنه یأمرنى بالعدل وألا أتخلى عنه حتى مع الخصوم..  {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]
وسبب إیمانى هذه اللغة الخالدة الخفیة بینى وبین الخالق.. الإله الحق.. حین أقع فى مكروه أو ضیق.. ألجأ إلیه، أستشعر العظمة من حبیبى الأعظم.. {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62]
حتى صرخت فى مرة من كثرة نعمه وتفضله مع تقصیرى.. فقلت: یا رب.. أنا أنا وأنت أنت..!!!
أنا المقصر.. وأنت الكریم..
أنا المذنب.. وأنت الغفور..
أنا العبد الضعیف.. وأنت الرب القوى الحكیم..
أنا أنا.. وأنت أنت.. سبحانك.. ما أعظمك!!!
أما سؤالك: كيف تؤمن مثلى؟!
الجواب: تَذَكَّر نعم الله عليك.. فضله.. رحمته.. ستره.. ستحبه لعظيم إنعامه ولصفات الكمال التى اتَّصف بها..
تذكر أنه الذى خلقك من عدم، قال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1].
تذكر أن الدنیا فانیة.. وأننا لا محالة سنموت.. وأن المرجع والمآل إلی الله سبحانه..
تذكر رفقه بك وبالبشر جمیعًا.. حین نُخطئ لا یعاجلنا بالعقوبة وإنما ینادینا.. فى حنان عظیم: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر: 53].
سبحانه.. يستر فلا يفضح.. ويعفو فلا يعاقب.. ويبدل السيئات حسنات.
فالحمد لله على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد قدرته..
عزيزى..
تدبَّر ما ذكرته لك من أسباب إیمانى وكونى على يقين أنه سبحانه یحبك.. یرید بك الخیر والیسر.. والنعیم والهدایة.. ما أكرمه..!!
فالإيمان عندى يقين علمى.. ويقين عقلى..
ماذا تقصد بأن الإيمان يقين علمى وعقلى؟
عزيزى.. 
إن الإيمان بالله تعالى من أعظم الحقائق فى هذا الكون على كافة المستويات:
أ-  فالإيمان حقيقة ربانية:
قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19].
يعنى ينبغى أن يُبنى الإيمان على علم، فالمدخل علمى.. هكذا الخالق يذكر هذه الحقيقة بصيغة الفعل الأمر؛ لأن الإيمان الحق الصادق لا يكون على افتراضات ذهنية ولا على نظريات لم تثبت كحقيقة علمية بعد.
ب-  الإيمان حقيقة علمية: 
1-  القرآن اعتمد الدليل العلمى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53]
المدخل هنا علمى.. لماذا المدخل العلمى للإيمان؟
لأن العلم محايد لا يجامل أحدًا (التحليل ـ الأشعة) لا يفرق بين مؤمن وغير مؤمن، بين غنى وفقير.. إظهار النتائج يكشف عن حقيقة الجسد بصرف النظر عن دينه أو جنسيته أو ماله.. إلخ.
فالعلم هو الشاهد الثقة الذى لا يُتهم أبدًا، والمعتمد لدى كل العقول على الكوكب الأرضى كله.
لقد اشتمل القرآن الكريم على أكثر من (1200) حقيقة علمية لتكون بمثابة شواهد الحق وبراهين الإيمان، حتى إذا مر الزمان بعد الزمان ولم يعد مقبولًا لدى العقل البشرى إلا الدليل العلمى، واكتشفت وكالة ناسا والمؤسسات العلمية الكبرى بعض حقائق العلم التى ذكرها القرآن قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان، حين لم يكن للبشرية أدنى معرفة بهذه الحقائق العلمية التى اكتشفت حديثًا.. علموا يقينًا أن الذى خلق الكون هو الذى أنزل هذا الكتاب (القرآن الكريم).
ج-  الإيمان حقيقة عقلية:
لقد اشتمل القرآن على (1260) سؤالًا للعقل البشرى، ومعنى هذا أن القرآن الكريم خطاب للعقل البشرى.. 
لقد اعتمد القرآن الكريم الدليل العقلى، قال تعالى:{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43].
والقرآن نفسه معجزة عقلية، ليس عصا موسى، ولا ناقة صالح، ليس معجزة حسية..
 ومن أهم أسئلة القرآن العقلية: 
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35]
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17]
{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1]
{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62]
وما يعقلها إلا العالِـمون..
وما يذكر إلا أولو

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم