شهادات الوهم| مراكز تدريب وأكاديميات «بير سلم» تمنح شهادات مزيفة

صورة موضوعية
صورة موضوعية

- أحمد دفع 8600 جنيه للحصول على دورة تدريبية.. وفى النهاية حصل على «الفنكوش»
- أميرة دفعت 2500 جنيه للتدريب فى «راديو أون لاين» وفوجئت بسرقة حلقاتها
- محمد التحق بـ «كورس» تنمية بشرية بـ 3000 جنيه فحصل على «ورقة» غير معترف بها
- خبراء: تجارة باسم التعليم السجن 3 سنوات فقط عقوبة المخالفين

نمنحك شهادة معتمدة تؤهلك لوظيفة راقية».. محتوى إعلاني منتشر داخل الجامعات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي من قبل مراكز تدريب أو أكاديميات علمية غير معتمدة تبيع الوهم للشباب الباحث عن فرصة عمل أو يأمل فى تطوير مهاراته العلمية والمهنية.

أماكن تدعى أن الشهادة التي تحتاج إلى سنوات من جامعات معترف بها، يمكن الحصول عليها في وقت بسيط بمقابل مالى، فالهدف الأكبر لهذه المراكز هو التحصيل المادي على حساب التحصيل العلمي المطلوب، ويقع الكثير من الشباب في هذا الفخ ويتكبدون تكاليف مالية كبيرة بدون جدوى.

«الأخبار» تناقش في هذا التحقيق جوانب المشكلة، وتتواصل مع عدد من الضحايا الذين وقعوا فريسة للنصب من قبل مراكز غير قانونية، بالإضافة إلى استطلاع رأى مجموعة من الخبراء والمسئولين لمعرفة أسباب الأزمة ووضع حلول مناسبة لها.

بهدف الرغبة في تطوير مهاراته وإمكانياته المهنية، قرر أحمد عمر، محاسب، الالتحاق بدورة تدريبية «tot diploma»، في معهد « ر.أ « بالقاهرة، بعد رؤية الكثير من الإعلانات الخاصة بالمعهد.. تفاجأ الشاب بالمبلغ الكبير المطلوب الذي وصل إلى 8600 جنيه.
وجد أحمد ترحابا كبيرا من القائمين على المعهد وتأكيدات باعتماد الشهادة من أكبر الجامعات الأمريكية، فقرر أن يخوض التجربة منخدعاً بالوعود المغرية، وبالفعل أقدم على دفع المبلغ والحجز بالدبلومة.. بعدها بفترة أكد له أحد أصدقائه بأن المعهد مستواه متواضع ولن يستفيد خاصة أن الشهادة ليست معتمدة كما يدعون، فأراد الشاب أن يسحب أمواله ويلغى الحجز بعد أن اقتنع بحديث صديقه المقرب، ولكن رفض المعهد رد المبلغ، فارتضى أحمد بالأمر الواقع وبدأ في دبلومته.

فيقول إن الدبلومة كان الهدف منها تأهيل المشاركين علمياً ومهارياً وإكسابهم الخبرات التطبيقية اللازمة للعمل، ولكنه تفاجأ بالفعل بعدة أمور أكدت أقاويل صديقه، فوجد حوالى 20 شخصاً مشاركاً بها وهو عدد كبير جداً على هذا النوع من الدبلومات، ولذلك فشلت الممارسة العملية فشلاً ذريعاً، كما أن مستوى المدرب متواضع للغاية، ناهيك عن المحاضرات الكثيرة التي تم إلغاؤها بدون مبرر في تصرفات تدل على العشوائية.

ويتابع أحمد قائلاً إنه تحامل واستمر في الدبلومة حتى يحصل على الشهادة فى النهاية، لكنه صُدم بعد انتهاء الدبلومة برفضهم إعطاءه الشهادة بحجة أن مستواه لم يكن جيداً، على الرغم من أن الشهادة تعتمد على الحضور «certificate for attendance»، وقد كان ملتزما فى المحاضرات.. ويختتم حديثه بأنه تم خداعه من قبل هذا المعهد وتكلف مبلغا كبيرا دون جدوى، وقد قدم شكوى فى جهاز حماية المستهلك برقم 2027668، ولكن مازال المعهد يعمل حتى الآن.

سوق العمل

كغيرها من الطلاب الجامعيين كانت تبحث أميرة حلمي قبل عامين عن فرصة للتدريب وخوض التجربة العملية لمجال دراستها بما يؤهلها لسوق العمل، فوجدت على صفحات موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» إعلانا لراديو أونلاين «ع» لاختبار أصوات الطلبة الإذاعية، وتدريبهم فكانت تلك فرصة أميرة التي درست الإعلام بقسم الإذاعة والتليفزيون، فتركت اسمها في تعليقات الصفحة وبالفعل تواصل معها مسئولو الراديو وأوضحوا لها طريقة تدريبها بإمكانيات تقنية عالية مقابل مبلغ ٢٥٠٠ جنيه، بالإضافة إلى تعيينها بعد فترة التدريب نظير مبلغ مالي وحصولها على شهادة معتمدة إلى جانب تسويق أعمالها في سوق العمل الإعلامي، إلا أن مصيرها كان النصب وعدم الوفاء بتلك الوعود.

كان ذلك العرض مغرياً لأميرة وربما لعدد كبير من الطلاب الذين ليس لديهم الخبرة الكافية للاستفسار والتأكد من جدية تلك الاتفاقات، وبالفعل أتمت أميرة «25 عاماً» فترة تدريب مدتها ثمانية أيام وبدأت بعدها في تسجيل حلقات عديدة، وبذلت مجهوداً في إعدادها بمفردها، بالإضافة إلى قدومها من مكان إقامتها بمحافظة الغربية إلى مقر الراديو بالقاهرة، وعند سؤالها عن المقابل المادي وعقد العمل الذي وعدوها به، أكدت أنها لم تتلق إلا ردودا مماطلة ووعودا واهية لم يتم تنفيذها فأعطوها شهادة وصفتها أميرة بـ«حتة ورقة بـ ٢٥٠٠ جنيه» ليست معتمدة من أي جهة رسمية.

طالبتهم أميرة بحلقاتها التى قامت بتسجيلها فرفضوا بحجة أنها خاصة بالراديو وتم تسجيلها داخله وبمعداته الخاصة، كما تم استغلال حلقاتها فى الترويج للراديو على صفحتهم على «فيس بوك».

شعرت أميرة بأن حقها قد ضاع فلم تجد سبيلا غير اللجوء لتحرير محضر نصب واستغلال، فى قسم مدينة نصر، ثم التوجه إلى مباحث الإنترنت، لتحرر محضراً آخر، حتى قامت الجهات الأمنية بتتبع صفحات الراديو على مواقع التواصل الاجتماعي وتأكدوا من خلافهم بالفعل للوعود والاتفاقات، إلا أنه لم يتم إغلاق المكان.

لم تتابع أميرة سير باقي الإجراءات لإقامتها خارج القاهرة لكنها لم تكتف بذلك، فقامت بنشر قصتها على مواقع التواصل الاجتماعي لتحذير الجميع من التعامل مع تلك الإذاعات الإلكترونية وتوعية باقي الطلبة، كما تواصلت مع أساتذة الإعلام فى عدد من الكليات بمختلف الجامعات لتحذير الطلبة من تلك التجربة.

وتقول أميرة إنها تلقت شكاوى من طلاب يؤكدون تعرضهم للنصب من نفس المكان ومراكز أخرى للتدريب، ومع استغلالها لسلاح «السوشيال ميديا» ونشر التجربة فى العديد من المواقع الإلكترونية، شعرت بالانتصار بعد أن تواصل معها مسئولون من الراديو مطالبين بوقف الحملة ضدهم حتى لا يتأثر عملهم بالسلب، وأن تنضم للعمل بالراديو مثلما كان الاتفاق، ولكنها رفضت ذلك العرض.

لم يختلف الأمر بالنسبة لمحمد سليم، ذلك الشاب الذي ظل يبحث كثيراً عن مركز تدريب للحصول على دورة تدريبية فى التنمية البشرية تساعده في مجال عمله، حتى رأى إعلانات لمركز «ج»، وبعد أن اقتنع بوعودهم في الحصول على شهادة معتمدة من أكبر الهيئات العلمية ومساعدته فى الالتحاق بوظيفة مناسبة، سارع سليم بالحجز من خلال موقعهم الإلكترونى وملء استمارة البيانات.

ويؤكد أنه كان يتوقع وجود محاضر محترف وأن يحصل على دورة يستفاد منها بالفعل وتثقل السيرة الذاتية الخاصة به، إلا أن ذلك لم يحدث، وكان مستوى التدريب سيئا، وفى النهاية حصل على شهادة غير معتمدة بعد أن تكلف 3000 جنيه، ولم يساعده المركز فى الإلتحاق بوظيفة كما تم وعده.

وعود واهية

بعد تكرار عدد كبير من الشكاوى ضد الراديو الإلكتروني «ع»، تواصلنا مع الراديو بصفتنا طلبة مهتمين بالعمل في المجال الإذاعي، وطلبنا الاستفسار عن تفاصيل التدريب، فجاء الرد أنه سيتم تدريبنا بأحدث تقنيات وأجهزة الأستوديو الموجودة فى مصر لمدة ثمانية أيام مقسمة على مدار شهرين، يتعاقد بعدها الراديو مع المتدرب لإنتاج برنامجه الإذاعي الأول بالإضافة إلى التسويق له فى المجال الإعلامي وترشيحه للعمل فى الإذاعات المختلفة، على أن يكون سعر الكورس ٢٥٠٠ جنيه، وهناك وعد بتقاضي ٥٠٠ جنيه شهريا بعد التعاقد فى حال أثبت المتدرب كفاءته.

كان ذلك الرد الموحد المتكرر الذى كشفه العديد ممن خاضوا تجربة التدريب في ذلك الراديو لكن دون جدوى فلم يتلقوا تدريبا مفيدا، ولم تتحقق حتى وعود الراديو بالتعاقد بل كان مصيرهم التجاهل والتهرب، أو محاولة التراضي والاستعطاف في حالة تقديم بلاغ ضدهم، فالأسلوب واحد لهذه المراكز والجهات التي تخدع الشباب ممن ليس لديهم خبرة كافية برسم أحلام وآمال كثيرة كلها كاذبة، فيتربحون على أحلام الطلاب، ومازالوا مستمرين بحيلهم فى خداع المزيد.
من حين لآخر يتم الإعلان عن إغلاق مراكز تدريب وأكاديميات علمية غير مرخصة بتهمة النصب وإصدار شهادات غير معتمدة مقابل مبالغ مالية، فالسجل حافل بهذه القضايا التى انتشرت بالآونة الأخيرة.

فتم إغلاق 35 مركزا للتدريب فى شهر سبتمبر 2018 بمدينة شبين بمحافظة المنوفية، بعد أن تبين أن جميع هذه المراكز لم تحصل على شهادة اعتماد من الجهات المعنية.

وفى 12 فبراير الماضي ضبطت الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة أكاديميتين وهميتين بالمنيا وسوهاج تمنحان شهادات دولية ls3 وIc3 وتبين أن الأكاديميتين بدون ترخيص وتصدران شهادات غير معترف بها بمقابل مادي يستخدمها الشباب في تقديمها كمسوغات للتعيين.

وفى 5 فبراير الماضي قامت الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة، بضبط أحد الأشخاص لقيامه بإنشاء أكاديمية وهمية والترويج لشهادات دراسية مزورة منسوب صدورها لعدد من الجامعات الأجنبية بالخارج نظير حصوله على مبالغ مالية.. وغيرها من الحوادث والوقائع التي تم ضبطها، ولكن لا يزال الكثير من هذه المراكز تمارس النصب على المواطنين.

نصب واحتيال

يقع على عاتق الجهات الأمنية دور مهم في التصدي لمثل هذه الأماكن غير القانونية، فما هى آلية الرقابة التي تتبعها الجهات المختصة، والعقوبة المحددة للمخالفين؟

يجيب اللواء محمد نور الدين، مساعد أول وزير الداخلية الأسبق، أن مفهوم النصب هو القيام بمشروع كاذب، لذلك فإن مراكز التدريب التي تعطى شهادات غير معتمدة رسميا تواجه تهم نصب واستغلال للطلاب، حيث إن التعامل مع المركز يكون من خلال عقد بينه وبين الطالب يقدم له المال مقابل الخدمة، وفى حالة عدم جدية المركز والتزامه بذلك يواجه تهم النصب والاحتيال، ويتم عرض صاحبه على نيابة مباحث الأموال العامة، وتكون العقوبة من سنة إلى ثلاث سنوات.

ويضيف نور الدين، أن مراكز التدريب التي تنتهج النصب تبيع الوهم بمقابل مادي، وسبب انتشار ذلك هو حالة الجشع والطمع التي انتشرت فى كافة المجالات، فأصبح هناك فنون كثيرة للنصب، ويرى أنه يجب إغلاق مراكز التدريب التي تعطى شهادات ليست محل ثقة أو القيام بإعطائها المصداقية بتقنين تلك الأماكن وفرض الرقابة عليها وترخيصها إذا كانت تقدم خدمة علمية مقبولة، فهى مسئولية الدولة في المقام الأول حيث إن جميع المراكز متواجدة وتعلن عن نفسها في كافة وسائل الإعلام، لذلك يجب مراقبة تلك المراكز والتعامل بحزم مع البلاغات العديدة المقدمة ضد مكان بعينه.

تدريب وهمي

معظم هذه المراكز تتخذ من الجانب التعليمي ستارا لأعمال النصب والاحتيال وبيع الوهم للشباب بمقابل مادي، فأين تقع هذه المراكز والأكاديميات من الناحية العلمية؟، وكيف يتم التصدي لها؟.

يعلق د. محمد عبد العزيز، الخبير التربوي، بأنه يجب وضع تشريع يحكم تلك المراكز الوهمية وتغليظ العقوبة لمن يخالف الاشتراطات العلمية، حيث إن توجيه وتوعية الطلبة ليس كافيا لأن أصحاب المراكز التي يتم إغلاقها يقومون بفتح أخرى بأسماء مختلفة، ويضيف أن هناك مراكز تستغل القاعات في الجامعات الخاصة لإعطاء التدريب الوهمي وبعض تلك المراكز تكون مرخصة من جهات ليست مختصة.

ويرى عبد العزيز أن تلك المراكز تمارس النصب باسم العلم، لذلك يجب على المجلس الأعلى للجامعات وضع لوائح معينة للشهادات التي تعطى للطلبة من خلال تلك المراكز بالإضافة إلى مناقشة تلك القضية في مجلس النواب وإعطائها طابعاً إعلامياً كبيراً لتوعية المجتمع من انتشار تلك الظاهرة التي يقع ضحية لها طلبة مصريون ومن دول عربية بهدف الحصول على شهادات معتمدة دوليًا، وهو ما يشوه سمعة المجالس التعليمية فى مصر.

ويضيف عبد العزيز أن ذلك النشاط يعد تجارة تسبب مشكلات أساسها الطرفان حيث إن هناك طلابا يعرفون أن تلك المراكز وهمية لكنهم يلجئون إليها كونهم متعسفين دراسيا ويريدون الحصول على شهادة، لذلك يجب إرسال نشرات للجامعات والمدارس والمؤسسات التعليمية المنوطة للتوعية، ووضع تشريع يخص الشخص المانح للشهادة والشخص المقبل عليها.

خرافة كبرى

من جانبه يقول د. إيهاب مسلم، محاضر واستشاري في العلوم الإدارية، إن هناك خرافة كبرى يطلق عليها «شهادة معتمدة» ، فنجد مراكز تسوق لشهادات من جامعة أجنبية لا وجود لها، أو أن يقدم مركز تدريب شهادة معتمدة من مركز تدريب آخر يطلق على نفسه اسما يشبه جامعة عريقة بهدف الخداع.. وكثيرا ما نسمع عن شهادات معتمدة عن جامعة هارفارد الأمريكية ومركز مانهاتن أو بوسطن، بمقابل مادي كبير وهو أمر ليس له أساس من الصحة.

ويتابع مسلم بأن هناك مراكز تدريب تعرض اعتماد شهادات المراكز الأخرى، دون أي تدخل في جودة المحتوى أو التدقيق في مهارات وخبرات المدرب، فقط لأن مانحي الاعتماد المزعوم شركة اسمها يتردد كثيرا، أما الاعتماد من الجامعات الحكومية فلا يختلف الأمر، فالمثير للدهشة أن خريجي الجامعات الحكومية لم يحصلوا على الحد الأدنى من المهارات المطلوبة للحياة العملية، ثم يبحثون عن شهادات تدريبية معتمدة من نفس الجامعات.

ويؤكد أن هناك بعض شركات ومراكز التدريب تدفع لموظفين فى بعض الجامعات الحكومية مقابلا لوضع ختم النسر على الشهادات، وهو أمر فى منتهى الخطورة.
ويضيف أن البعض يقتنع بأن الشهادة المعتمدة مطلوبة للتعيين وبدونها فالسيرة الذاتية ستصبح ضعيفة، وهو أمر غير صحيح، فعلى سبيل المثال ما هي الفائدة التي سيحصل عليها الشاب إذا حصل على كورسات معتمدة في اللغة الإنجليزية، ولم تتحسن مهاراته اللغوية، وبالتالي لن تفيده الشهادة فى الالتحاق بالوظيفة المطلوبة.

ويشير مسلم إلى أنه بحثاً عن اعتماد زائف، تدعى بعض المراكز أنها فروع لمنظمات دولية وجمعيات عالمية، وبالتواصل مع المنظمات الأم اتضح أنه ليس لها أدنى علاقة بأى شركات أو مراكز تدريب مصرية، ومنها على سبيل المثال منظمة التجارة العالمية.

ويشدد على أن الطريقة الوحيدة للحصول على شهادات معتمدة دوليا، هى أن تجتاز امتحاناً دولياً فى مركز معتمد للحصول على شهادة باجتياز الامتحان وربما عدة امتحانات، مثل شهادة مدير المشروعات المحترف «PMP» أو شهادة من شركة مثل سيسكو أو مايكروسوفت بعد اجتياز امتحان وليس مجرد حضور التدريب، أو اجتياز امتحان تويفل الدولي، أو الحصول على دراسات عليا من جامعة معترف بها، وغير ذلك فهو مجرد وهم.
 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم