البحث العلمي.. صناعة راكدة تبحث عن مستثمرين

صورة موضوعية
صورة موضوعية

- هل تنجح «حوافز الابتكار» فيجذب رجال الأعمال والقضاء علي ثقافة «الاستسهال»؟

لم يعد هناك خلاف علي دور البحث العلمي في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير المليارات للدولة، الأرقام تؤكد أن هذا الملف شهد تطورا ملموسا الفترات الماضية بعد جهود متراكمة علي مر الأعوام السابقة، فمصر احتلت المرتبة 35 في النشر الدولي عالميا خلال 2018، وزاد الانفاق علي البحث العلمي إلي 19.2 مليار جنيه بزيادة 61٪ عن 2017، لكن ما تحقق لا يرضي سقف الطموحات بعد، ومازال البحث جاريا لاستكمال الحلقة المفقودة، فمشاركة الصناعة في تمويل البحث العلمي لا تتعدي 1٪ بينما تصل في أمريكا إلي 85٪، وبدون الصناعة سيبقي الكنز حبيس الأدارج، وسنظل شبه متوقفين عند النشر والحصول علي براءات اختراع تستفيد منها الدول الأخري.. »الأخبار»‬ تفتح هذا الملف من خلال جولات أجرتها لعدد من العلامات البحثية المضيئة في محاولة لمعرفة أين نقف ودور البحث العلمي في دعم أولويات الدولة خلال 2019.. وما السبيل لاكتمال المنظومة البحثية وتحقيق الربط بين المراكز البحثية المنتشرة في جميع الوزرات للانطلاق لصناعة متكاملة تساهم في زيادة الناتج المحلي.

«مدينة بحوث الإلكترونيات» 

»‬ثلاث ساعات» قضتها »‬الأخبار» داخل مدينة الأحلام كما يطلق عليها، فهذا الصرح العملاق يعد واحدة من الخطوات التي ستنقل صناعة الالكترونيات بمصر إلي مكانة حلمنا بها لسنوات طويلة سبقتنا خلالها عشرات الدول في هذا المجال سريع الوتيرة.
11 مبني تجتمع معًا لتشكل»مدينة العلوم لبحوث الالكترونيات» التي يمثل كل ركن فيها بحثا علميا جديدا لخدمة الصناعة المصرية، وقبل انتهاء العمل بالمباني والمقرر له عام 2019 وفقاً لتوجيهات الرئيس، توجهت »‬الأخبار» للمدينة في زيارة تجولنا خلالها بين أروقة المعامل والمباني وتحدثنا مع عقول شابة وجدت من المدينة ملاذاً لها لتري مشاريعها البحثية تتحول لواقع أمام أعينها.


نقلة نوعية


»‬انبهار وذهول» كلمتان من الممكن أن تلخصا ما حدث لنا فور أن وطئت أقدامنا مدينة العلوم وبالتحديد مبني (A)، فخلال دقائق قليلة تشعر وكأنك انتقلت إلي واحدة من تلك المنشآت التكنولوجية التي اعتدنا رؤيتها بانبهار بأفلام هوليود، بعد أن أصبح كل ما حولك يعكس مدي التطوير الذي لحق بالمباني، حتي وصل الأمر إلي أن يكون التنقل بين القسم والآخر يتطلب الولوج الكترونيا بمفتاح خاص بأعضاء القسم.


اصطحبنا د.محمد زهران نائب مدير المدينة، في جولة بمباني المدينة تحدثنا خلالها عن الموقف الحالي للمدينة والمشروعات التي تعمل بها، وأوضح أن فكرة إنشاء المدينة ظهرت منذ ثلاث سنوات، وحينها تم أخذ موافقة وزارة الاستثمار وكانت المدينة ستتبع قانون الاستثمار، ثم بعد صدور قانون البحث العلمي الجديد المسمي بـ» قانون حوافز الابتكار» اتبعت المدينة وزارة البحث العلمي، وهو الأمر الذي من شأنه أن يسهل الكثير من العمل الإداري ويحدث نقلة كبيرة في الصناعات المعتمدة علي البحث العلمي.


وأضاف زهران أن الأعمال الخرسانية بالمدينة انتهت كلياً بينما تم إنهاء نحو 40٪ من أعمال التشطيب.


أشار زهران إلي أن نقل الخبرات من الدول المتقدمة في مجال الالكترونيات يعد هدفا رئيسيا للعمل في المدينة، ومن أجل تحقيق ذلك تم عقد بروتوكول تعاون بين المدينة و»الحائط العظيم للاستشارات الهندسية» وهو الاستشاري الاول للمدن والمراكز العلمية بالصين، ومن المنتظر أن يزور وفد منهم المدينة لتحليل الموقف والاتفاق علي الاستراتيجية المتبعة.


وقال ان سر تقدم الصين في تلك الصناعات هو تبني الدولة لعملية تحويل ابحاث الجامعات والمعاهد إلي منتج فعلي حقيقي يغزو الأسواق.


وأوضح أن نظام احتضان المشروعات البحثية في الصين يصل إلي 3 سنوات تقدم خلالها للخريج كافة التمويل اللازم والخدمات اللوجيستية للعمل علي مشروعه حتي الوصول لنموذج أولي يمكن صناعته فعلياً.


خلال جولتنا بالمدينة انتقلنا إلي الدور السابع بمبني (B)، وتحديدا لمعمل »‬النانو تكنولوجي» الذي تكلف نحو عشرة ملايين جنيه، وبدأ أولي خطواته بالدور الأرضي للمقر الجديد للمدينة قبل أن يري أي مبني النور.


ويشير د. زهران الي أن المعمل يضم 7 من الباحثين سواء من المعينين بالمعهد أو المستعان بهم نظراً لحاجة المعهد لتخصصاتهم وجميعهم من الشباب حديثي التخرج، موضحاً أنه يتم الآن التركيز في المعمل علي »‬الأنواع المتطورة من الخلايا الشمسية» حتي يتم الوصول إلي نموذج أقل في التكلفة وأعلي في الكفاءة وبعمر افتراضي أفضل مما في الأسواق وذلك بطرق غير تقليدية، وأضاف قائلاً »‬لدينا باحث شاب تمكن بالفعل من احداث تقدم كبير في هذا النوع من الخلايا».


من جانب آخر أكد زهران أن المعمل يحاول مواكبة العالم فيما يخص تصنيع السيارة الكهربائية قائلاً: »‬جميعنا نعلم أن البطارية هي العنصر الاساسي بالسيارة، والمتبع الآن علي مستوي العالم هو تصنيع بطارية الليثيوم التي بالرغم من مميزاتها إلا انها مكلفة كما أن هناك شركات بعينها محتكرة صناعتها، وبما ان العالم الآن يتوجه لصناعتها بتكنولوجيا النانو فقد اقتحمناه نحن أيضاً، فنعمل علي تطوير المكثفات فائقة السرعة super capacitors وهي وحدة تخزين الطاقة بالسيارة، وذلك من خلال مراحل معملية كثيرة وقد حققنا تقدما كبيرا فوصلنا إلي أن يعطي 1 جم من الجرافين مكثفا فائق السعة 580 فاراد بدلاً من 70 فاراد وفقاً لآخر ما تم اعلانه عام 2015».


ومن خلال التجارب داخل المعمل تمكن الفريق من الوصول إلي بطارية جديدة تتميز بالمرونة بعد استخدام بطارية الليثيوم ومكثف فائق السعة معاً، وهو ما أصبح بديلاً عن استيرادها فأوضح زهران قائلاً: »‬منذ عام قدمنا مشروع السيارة الكهربائية وعندها اعتمدنا علي شراء البطارية من الخارج أما الآن وبعد تجارب عديدة تمكنا من ابتكار تلك البطارية التي لم نشاهدها بالأسواق حتي اليوم، واستطيع القول انه من خلال المشروع البحثي المشترك مع الصين فإنه سيتم تصنيع النماذج الأولية لهذة البطارية هنا بمعاملنا خلال عامين من الآن».


بشائر الأمل


انتقلنا من المعمل الأول للنانو متوجهين إلي المعمل الثاني بنفس الدور، فدلفنا إلي غرفة بيضاء محاطة بعدد من الأجهزة الضخمة المتخصصة في التركيبات والتفاعلات الكيميائية، يعمل عليها عدد من الوجوه الشابة تعلوها نظرة تفاؤلية افتقدناها منذ سنوات طويلة، اقتربنا منهم لنتحدث لتلك العقول النيرة التي لم يحالفها الحظ بكلياتها فوجدت بمدينة العلوم ملاذاً لها.


البداية كانت مع المهندسة أسماء الامين أحمد، خريجة هندسة اتصالات والكترونيات جامعة بنها، والتي حالفها الحظ من أربع سنوات بالوصول إلي أحد الاعلانات التي نشرها المعهد لطلب عدد من التخصصات، فبادرت بالتقدم لتمر بمرحلة الاختبار والمقابلة وتنجح بهما لتنضم لفريق عمل البحث والتطوير في معمل النانو.


وتوضح أسماء أنها دائما ما رغبت في العمل في البحوث العلمية وأن اعلان المعهد كان بمثابة البداية قائلة: »‬انضممت للمعهد منذ بضع سنوات ولم يكن قد رأي أي مبني النور، فكانت ابحاثي وتجاربي تقام داخل مبني خشبي صغير في الدور الأرضي وسط عمليات الحفر والانشاءات، والآن وانا أقف في هذا المعمل أستطيع القول ان أحد احلامي تحقق بوقوفي داخل معمل متكامل بكافة المواد والأجهزة الحديثة».


وتضيف: »‬تخصصي الأساسي أجهزة تخزين الطاقة، والآن أعمل علي مشروع المكثفات فائقة السعة والتي تمكنا من احراز تقدم كبير بها.


تحليل المواد


أما عبد الحميد محمد، ماجستير علوم جامعة القاهرة قسم فيزياء، فقد ترك العمل بجامعة القاهرة وفضل الانخراط في عملية البحث والتطوير بالمدينة العلمية فيقول: »‬بدأت العمل في مجال الريسيرش من 7 سنوات وكان مجالي الـ Laser-induced plasma breakdown وهو سيستم يعمل علي تحليل المواد وإخراج التركيب الكيميائي بدقة واحد من عشرة آلاف من الجرام، ومن سنتين تمكنت من خلال أحد أساتذتي من الوصول للمعهد وفوجئت بتوفير كافة المواد والأجهزة هنا في معمل النانو فتركت عملي سريعا وانضممت لفريق العمل هنا».


ويضيف: »‬بدأت في المدينة بتطوير الجرافين وتهيئته داخل الأجهزة المختلفة، ثم عملت في تطوير نظم تخزين الطاقة مثل المكثفات والبطاريات، وحاليا نعمل علي المكثفات والبطاريات، ومهمتنا دائما ما تبدأ من حيث انتهي الاخرون، فنساهم في تطوير آخر التقنيات التي وصل لها العلم».


الغرفة النظيفة


وقبل مغادرة هذا الصرح العملاق توقفنا أمام عمليات الإنشاء الجارية للغرفة النظيفة، والتي ستخدم -كما ذكر د. هشام الديب رئيس المدينة- جميع المجالات مثل الطب والهندسة والزراعة وغيرها، وهي عبارة عن مبني مساحته 650 مترا مربعا، ويتمثل دورها في تصنيع المكونات الدقيقة بها مثل المكونات الإلكترونية للترانزيستور، فهي غرفة ذات مواصفات خاصة لشدة حساسية ودقة المكونات التي يتم تصنيعها بها فحجمها يقاس بالمايكرو، وستكون مبني عازلاً للزلازل، وذلك مواكبةً لما يحدث في العالم، وذكر الديب أيضا أن الهدف الثاني هو أن تكون المدينة بوتقة لكل الجهات في صناعة »‬الالكترونيات» بمصر، وتحديداً صناعة المستشعرات iot، والتي تم اختيارها لتتميز المدينة بها وفقاً لتعليمات الرئيس السيسي ووزير التعليم والبحث العلمي، اللذين أكدا ضرورة تميز المدينة بصناعة معينه، فنهدف أن تكون مصر من أوائل الدول التي ستنشأ قرية ذكية، ومنزلا ذكيا وسيارة ذكية باستخدام ذلك النوع من المستشعرات. وتسعي المدينة خلال 5 سنوات لتحقيق فارق كبير في صناعة الالكترونيات.


 

ترشيحاتنا

إصدارات أخبار اليوم