السادات.. رحلة البحث عن الذات

 الرئيس الراحل أنور السادات
الرئيس الراحل أنور السادات

ربما تكون قصة حياة الرئيس السادات مشابهة لآلاف القصص لمصريين عاشوا تلك الفترة التى عاش فيها الرئيس الراحل انور السادات، أو أتوا بعده وربما تكون قصصهم أشد درامية من قصته رغم تفردها وثرائها بتفاصيل الصراع ولحظات البطولة؛ فما المميز فى هذا الفتى القروى ليصل إلى تلك المكانة العالمية؟.
الحقيقة أن علماء النفس يؤكدون دومًا أن الذات العبقرية لا تكون وليدة لحظات الإبداع والبطولة فقط، وإنما تنمو وتمتد مع الإنسان منذ الصغر، وقد ظهرت بشائر تلك العبقرية الساداتية فى أدق اللمحات الطفولية كما تمثلت فى أجلها خطرًا وقت القرارات المصيرية.. ولذلك كان الرئيس السادات موفقا جدًّا فى اختيار عنوان «البحث عن الذات» لسيرتة الذاتية، تلك السيرة التى نُشرت بعشرات اللغات كما اهتمت بها كبرى الدوريات العالمية ونشرتها مسلسلة، ليس فقط لأنها شهادة مهمة على جزء من تاريخ مصر الحديث، ولكن لأن صاحبها بطل استطاع الانتصار فى الحرب، تمامًا كما استطاع الانتصار فى السلام، وفتح بابًا فى الدبلوماسية العالمية لم يفتحه أحد من قبله، الأمر الذى مثل نقلة مهمة فى أسلوب التعامل بين الدول لا يزال يُدرس حتى الآن فى كليات السياسة العالمية.
أخلاق القرية
رغم أنه فارقها صغيرًا وأصبح من ساكنى كوبرى القبة فإن قريته «ميت أبو الكوم» ظلت ساكنة بقلبه طوال حياته يحملها معه أينما ارتحل، يسأل أخلاقها عن معضلات أموره فتجيبه بالخبر اليقين والقول الفصل المُبين، وربما لا تزال صورته بالجلباب والعباية الفلاحى حاضرة فى التسجيلات الضوئية كإحدى علامات شخصيته البارزة.
كما كانت القرية (الأرض والعِرض) شاهدة على أدق القرارات وأشدها صعوبة التى كان يُفضل اتخاذها فى أحضان الريف حيث يقبع الهدوء والسلام النفسي، وهو الأمر الذى يتيح له مجالًا أكبر للتفكير المنطقي، وكأنه أيضًا يُشهد سنابل القمح على ما يقوم به من أجل وطنه.. ولذلك ظلت المشاكسات بين القرية والمدينة قائمة فى نفسه.
يقول السادات فى (البحث عن الذات): «هكذا كانت حياتى طوال مدة تعليمى بالقاهرة سلسلة من المقارنات أو المفارقات المستمرة بين المدينة والقرية.. ولكنها لم تكن فى أى وقت فى صف المدينة بأى حال من الأحوال.. على العكس أشياء كثيرة أزعجتنى فى القاهرة»، ثم يضرب مثلًا على هذا الإزعاج الذى استفز خيالات ذلك الطفل القروى القادم لتوه إلى مباهج المدينة، بالكونستابل الإنجليزي.. الذى يجوب الشوارع على الموتوسيكل ليل نهار، ليرسم له السادات صورة كاريكاتورية كريهة جدًّا فهو (كالمجنون- وجهه كلون الطماطم- فظ- بليد- عيناه جاحظتان- فمه مفتوح دائمًا كفم الأبله- رأسه منتفخ يغطيه طربوش طويل قرمزى يصل إلى أذنيه)، هذه الأوصاف لا يمكن إلا أن تكون للاعب سيرك يُضحك الناس لا لضابط يخشاه الناس، ومع هذا فإن ذلك الطفل النحيل يكره النظر إليه، بل ويتساءل فى نفسه عن السر وراء وجود هذا الغريب القبيح فى المدينة، ثم يهديه فكره إلى تلك الحقيقة الخالدة: أن هذا الغول المرعب لا يجرؤ أن يسير خطوة واحدة على أرض قريته.. هكذا كانت (ميت أبو الكوم) رمز الأمان.
الذات الواثقة
كان الرئيس السادات يملك ثقة شديدة بنفسه منذ الصغر، وقد أظهرت الحكايات التى قصها عن طفولته ملامح تلك الذات الواثقة التى استمدها من الأبطال المصريين وقصصهم المنتشرة فى قرى الأرياف حيث يُغنيها الشعراء فى الأفراح والمناسبات الدينية، كما كانت ترويها له جدته «أم الأفندي» كما كان يلقبها أهل القرية، مساء كل يوم حتى يغفو على سريره البسيط فوق (سطح الفرن البلدي) بجوار إخوته، وكانت الحكايات تأسر خياله المحب للبطولة عن زهران بطل دنشواي، تلك القرية التى تبعد فقط خمسة كيلو مترات فقط عن قريته، وعن مصطفى كامل، وأدهم الشرقاوي، وغيرهم من أبطال المواويل الشعبية.
وعندما دخل السادات مدرسة فؤاد الأول الثانوية واختلط بأبناء الوزراء والباشوات لم يشعر بأى فارق أو اختلاف بينه وبينهم، يقول: «وكان كل منهم ينتقل إلى المدرسة ويعود منها إلى البيت فى سيارة فاخرة- كونبيل- كما كنا نسميها فى القرية.. منظر مُبهر للغاية، ولكنه لم يترك فى نفسى أى أثر للغيرة أو الحقد.. وطبعًا زملائى كانت ملابسهم أفضل من ملابسى بكثير، ولكن هذا لم يُصبنى بأى عقدة»، وكل هذا لأن ذلك الطفل الأسمر الصغير يملك شخصية مُعتدة بأصالتها، تبحث عن العمق بعيدًا عن الشكليات الزائفة، فذة، صُلبة كأرض ميت أبو الكوم.
كما أن هذه الشخصية كثيرًا ما تتحول من الثقة إلى التحدى والعناد حتى مع من هم أكثر قوة وأكبر سنًّا، يقول السادات: «فى الحارة التى كنا نسكن فيها بالقاهرة نزلت مرة لأشترى علبة كبريت من البقال.. قلت «أنا عايز علبة كسفريت»، وفجأة انفجر الزبائن بالضحك، اندهشت، فيمَ يضحكون؟ قالوا لي: «ضرورى تقول كبريت»، صممتُ على «كسفريت»، واستمرت سخريتهم مني.. وفى مواجهة هذه السخرية جاءنى شعورٌ بأننى أقوى منهم.. فمن هم لكى يسخروا مني؟».
فى منقباد
تخرج السادات فى الكلية الحربية فى فبراير 1938، وهنا بدأت تشغله أوضاع البلاد بصورة أكثر جدية اتحدت مع ما كان يملكه من قوة دافعة نحو التغيير والثورة على الأحوال الفاسدة، كما خايلته البطولات الشعبية قديمًا لزهران بطل دنشواى وأدهم الشرقاوي؛ وواتته فكرة إنشاء تنظيم يهدف إلى ثورة تقوم بها القوات المسلحة: «كنا فى ذلك الوقت فى منقباد، وكانت الاجتماعات تتم فى حجرتى بميس الضباط، فقد كانت بالصدفة حجرة ضابط عظيم»؛ ولأن السادات يتسم بالذكاء الفطرى فقد عمد إلى وضع خطة يدخل بها إلى زملائه حتى لا ينكشف أمره من المخابرات الحربية، فعمد إلى تهيئة نفوس زملائه أولا وتحاشى تمامًا وضع أى حلول قبل خلق وعى كامل بأوضاع البلاد السيئة فى مخيلة زملائه: «ركزت فى أحاديثى مع زملائى الضباط على وضعين لم يكن أحدٌ يختلف على أنهما يُسيئان إلى الجيش وإلى حياتنا فى القوات المسلحة، وهما البعثة العسكرية البريطانية وما لها من سلطات مُطلقة، ثم جيل كبار الضباط المصريين وانسياقهم الأعمى إلى ما يأمر به الإنجليز»، وأصبحت حجرة السادات فى هذا الوقت ملتقى للضباط الذين تزايد عددهم لبحث مشاكل الوطن، حتى إن أصدقاءه أطلقوا عليها (بيت الأمة).
التنظيم السرى
صادف أن يكون السادات أول من يدعو إلى تنظيم سرى بالجيش المصرى قبل ثورة يوليو بثلاثة عشر عامًا، وتحديدًا فى سنة 1939، وكان من ضمن أعضاء هذا التنظيم: عبد المنعم عبد الرءوف، وكان يُعتبر الرجل الثانى بعد السادات الذى كان بالطبع رئيس التنظيم، وعبد اللطيف بغدادي، وحسن إبراهيم، وخالد محيى الدين، وأحمد سعودى حسين، وحسن عزت، والمشير أحمد إسماعيل.. ويُبرر السادات أسلوبه فى التنظيم وعدم اعتماده على الخلايا السرية للدفع بالثورة المسلحة كما فعل عبد الناصر عقب عودته من السودان فى ديسمبر 1942 وتسلمه التنظيم أوائل 1943 بعد اعتقال السادات، بأنه: «فى تلك السنة كان خط هتلر قد بدأ فى الانكسار، وبالتالى استعاد الإنجليز قوتهم فى مصر فكان على عبد الناصر أن يُخطط للمستقبل... أما أنا فقد كانت الأحداث وما أعقبها من ردود أفعال، أى انتصارات هتلر المتلاحقة وهزائم الإنجليز قد جعلت الباب مفتوحا أمامى للعمل المباشر».. أى أن الظروف الخارجية كانت هى التى تفرض طبيعة المواقف التى يعمل عليها الضباط الأحرار.
مع عزيز المصرى
كان عزيز باشا المصرى شخصية أسطورية لدى شباب الجيش فى ذلك الوقت، ليس لأنه المفتش العام للجيش المصرى فقط، بل لأنه شارك فى الثورة التركية مع كمال أتاتورك، كما كان مؤسس جمعية الاتحاد والترقي، وجمعية تحرير الأمة العربية، إلى جانب تاريخه الطويل المليء بالكفاح؛ غير أن هناك صفة أخرى جعلته قريبًا من قلب السادات وهى ولعه بالثقافة والدعوة إليها وحرصه المستمر على تثقيف الضباط.. ولقد رآه السادات لأول مرة حين زار فرقة منقباد وحرص على اصطحاب الضباط معه إلى دير المحرق.
ويؤكد السادات تلك العلاقة مع عزيز المصرى بقوله: «كنتُ مفتونًا بشخصية عزيز المصرى منذ لقائنا فى منقباد، وكان معروفًا عنه أنه يكره الإنجليز، حتى إن سير مايلز لامبسون السفير البريطانى فى ذلك الوقت طلب من على ماهر إقالته من منصبه بالجيش، ولكن على ماهر اكتفى بإعطائه إجازة مفتوحة»، ويتابع السادات: «كنا بحاجة إلى الإفادة من خبرات هذا المحارب العظيم وإرشاداته»، ولكل ذلك لم يتردد السادات لحظة واحدة فى الاتصال المباشر مع عزيز المصرى وإطلاعه على رغبة الضباط فى الإطاحة بالملك والإنجليز معًا وطلب مشورته حول هذا الأمر، وبالفعل تم اللقاء سريعًا عام 1940.
اللقاء الأول
كان اللقاء الأول بين عبد الناصر والسادات فى حجرة السادات بمنقباد حيث انضم عبدالناصر إلى الضباط لمناقشة أوضاع البلاد وطرح الحلول لمعالجتها، غير أن ناصر كانت له طبيعته المتفردة التى يقول عنها السادات: «كان انطباعى عنه أنه شاب جاد لا يميل إلى المزاح مثل غيره من الزملاء ولا يقبل أن يُضاحكه أى إنسان لأنه كان يرى فى هذا مساسًا بكرامته مما جعل أغلب الزملاء يبتعدون عنه بل ويتحاشون الكلام معه حتى لا يسيء فهمهم، وكان يُنصت إلى مناقشاتنا باهتمامٍ ولكنه لا يتكلم إلا فى القليل النادر».. وربما يوضح ذلك الاقتباس طريقة عمل الزعيمين فيما قبل ثورة يوليو، والحذر الشديد من كليهما فى الدعوة والتخطيط إلى تلك الثورة التى غيَّرت مجرى التاريخ المصري.
إلى الرئاسة
لم تختلف شخصية الرئيس السادات بعدما تولى الحُكم عما قبلها، وظلت هذه المواقف التى رواها فى سيرته البحث عن الذات شاهدة على ثبات مواقفه واستقرار دوافعه النفسية، وكانت ردود أفعاله تجاه مواقف الطفولة مشابهة تمامًا لما حدث وهو على رأس السلطة، فثورة التصحيح كانت رد فعل متوقعًا لمن يفهم «الذات» الساداتية، وزيارته إلى تل أبيب- رغم أنها أحدثت دويًّا هائلًا وقتها واشتد الخلاف حولها ولايزال- فإنها كانت متوقعة أيضًا من رئيس يملك روح التحدى منذ كان طفلًا صغيرًا، تمامًا كما يملك وحده مفاتيح رأيه؛ ولذلك كان هذا التشبث بالعناد والتحدى والثقة بالنفس الدافع الأكبر لمعظم قراراته الخطيرة وقت توليه السلطة، وهى أيضًا التى جعلت العالم كله ينحنى احترامًا لعبقريته الحربية وانتصاره بحرب قالوا إنها خاسرة، تمامًا كما انحنى بعدها أيضًا لقراره بالبدء بالسلام، وكذلك حين اعتلى منصة نوبل للسلام.


ترشيحاتنا