أكثر من 5 ملايين لاجئ ومهاجر انصهروا داخل المجتمع وأسسوا مشاريع اقتصادية

ضيوف في قلب «أم الدنيا»

لاجئين استوعبتهم مصر بحضارتها
لاجئين استوعبتهم مصر بحضارتها

جاءوا إلى مصر بأهداف وأحلام تداعب خيالاتهم ، هناك من جاء  مهاجراً أو لاجئاً ومن جاء للدراسة وطلب العلم، والبعض جاء زائراً، واستوعبتهم مصر بحضارتها، وطيبة قلب شعبها المضياف، لينصهروا داخل المجتمع ويصبحوا جزءا من نسيجه. 
ورغم تباين جنسياتهم وثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم المختلفة، إلا أنهم تمكنوا من الامتزاج داخل المجتمع المصري، فعاشوا بين المصريين كأنهم أبناء هذا البلد الطيب، وأصرت مصر وقيادتها السياسية على ألا تقيم معسكرات للاجئين مثلما فعلت دول أخرى، أو تفرق في المعاملة بين المهاجرين، فمصر كانت ولا تزال واحة الأمن والاستقرار للجميع عبر العصور. 
إحصائيات كثيرة عن حجم اللاجئين والمهاجرين في مصر تكشف أنهم بالملايين، حيث أعلن مدير مكتب منظمة الهجرة الدولية بالقاهرة أن مصر تستضيف نحو 4 ملايين لاجئ ومهاجر وفقاً لأحدث الإحصاءات، ويتجاوز هذا الرقم 5 ملايين إذا ما أضيف إليهم الكثير من اللاجئين والمهاجرين غير المسجلين، فضلا عن الوافدين للدراسة، ويحظى الجميع باحترام وتقدير من الدولة والمجتمع، فبادلوا المصريين حبا بحب وتقديرا بتقدير. 
«بوابة أخبار اليوم» تستعرض عبر هذا الملف جوانب من واقع حياة المهاجرين واللاجئين في مصر، الذين تحولوا واقعا إلى أصحاب بيت، وضيوف أعزاء على أم الدنيا.
لغات ولهجات تروى الرحلة من الوطن الأم إلى «أم الدنيا»، حياتهم داخل شوارع مصر، منحتهم عادات وتقاليد المجتمع، وأصبحوا مصريين دون «باسبور» يكتب فيه جنسياتهم الحقيقة ويظل عنوان إقامتهم «أم الدنيا»..
تحدثنا مع مواطنين من جنسيات مختلفة، عن رحلتهم من أوطانهم إلى الانصهار داخل المجتمع المصري لسنوات طويلة، وماذا تمثل مصر بالنسبة لهم بعد تلك السنوات التي عاشوها داخل احضانها.
«بلدي الثاني».. بهذه الكلمات بدأ د. وسام صباح من دولة العراق كلامه عن مصر وقال «أتيت إلى مصر منذ 11 عاما، بسبب المعاناة والظروف التي تمر بها العراق والأزمات الطائفية وعدم استقرار الأوضاع الأمنية، لتبدأ رحلة البحث عن بلد آخر تكون أكثر استقراراً وأماناً على عائلتي بعد أن أصبح الأمان في العراق مستحيلاً وقتها، وبسبب العلاقات التاريخية بين مصر والعراق والترابط والحب الذي يربط الشعبين قبل أي علاقات دبلوماسية أو سياسية، قررت أن أسافر إلى مصر مع عائلتي لأنها البلد الوحيد الذي اشعر فيه بالأمان ويتميز شعبها بالود وحسن الاستقبال وان مصر في قلبي وتعد بلدي الثاني بعد العراق».
وأضاف «لم أشعر في مصر ولو لثانية واحدة أنني غريب، فمعاملة المصريين تتسم بالود والمحبة والاحتضان لجميع العرب، وتلك المعاملة تجعلني أشعر وكأنني مازلت في العراق وسط أهلي وعزوتي فجيراني وأصدقائي في الجامعة يبادلوني المحبة والاحتواء والمعاملة الطيبة، كما نتبادل التهاني في المناسبات المختلفة ونشعر وكأننا وسط جيراننا في العراق.


منارة العلم
وأوضح د. وسام أن الكثير من العرب يفضلون القدوم إلى مصر للدراسة فهي منارة العلم للوطن العربي، وبها العديد من الجامعات والكليات العريقة التي تضم الجواد العلمية والأكاديمية وتوفر كافة الدعم للدراسين، وقال « أكن كل الاحترام والتقدير إلى أساتذتي في علم الاقتصاد في مصر الذين ظلوا بجانبي وقدموا كافة سبل الدعم وساندوني حتى استكملت الدراسات العليا، ولم يبخل أحد قابلته في مصر وخاصة أساتذة الجامعات على تقديم المساعدة والدعم لي، فهو صفة يتميز بها المصريون وهى تقديم المساعدة لكل الناس وخاصة العرب».
واستكمل «حصلت على فرصة للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية إلا إنني رفضت السفر، وفضلت البقاء في مصر مع أسرتي وابني ياسين لأني اشعر بالأمان في هذا البلد الجميل وأشعر بالأمان لا يضاهيه أي ثمن وليس له بديل، فلا العادات في أمريكا تشبهنا ولن أستطيع أني أطمئن على عائلتي وسط مجتمع مختلف عن طبيعتنا العربية بشكل كامل وثقافتنا كشرقيين، ويكفيني وأنا أتجول في شوارع مصر شعوري بأني في نفس شوارع العراق وأشم رائحة ذكرياتي بها وأستعيد كل أيامي الجميلة».


الطيبة والبساطة
«كأنك تعيش في وطنك»..هكذا وصف د.جهاد الحرازين من دولة فلسطين،حياته في مصر، وقال «مصر هي الدولة التي ﻻ يشعر بها الإنسان بغربة أو انه بعيد عن وطنه لأنك تجد في مصر كل ما هو جميل ويساعدك على التأقلم، فالشعب المصري يتميز بالعديد من الصفات في مقدمتها الطيبة غير المحدودة، وحالة من البساطة التي تكون اقرب إلى القلب فعندما تتعامل مع المواطن المصري أو أحد المسئولين تجد إن هناك حالة من اﻻلفة والتقدير والاحترام والترحيب الواسع فكأنك تعيش في وطنك».وأضاف»أن الشعب المصري لديه حجم كبير من اﻻدارك والوعي بخصوص القضية الفلسطينية والتعاطف معها ومع كل الأحداث الجارية مع الفلسطينيين، ومصر دولة بشعبها وقيادتها ومؤسساتها تمثل حالة ومزيجاً وطنيا عروبيا خالصاً نابعاً من الوجدان لديهم اﻻمر الذي يشعرك وكأنك بقلب الحدث وهذا ما نلمسه من اهتمام المسئولين والمواطنين على حد سواء».
وقال «رحلة امتدت منذ سنوات متواصلة تجد مصر دائما تفتح أبوابها لاستقبال كل من يأتي إليها مرحبة بالجميع فالجامعات والمستشفيات والمدارس والمراكز الجميع يستقبلك بابتسامة جميلة تمحو أثار التعب وتمسح اﻻلم فالبائع والجار والمدرس والطبيب والمهندس والطفل والشيخ والسيدة الجميع يتعامل بحالة من الرقى والاحترام والتقدير ليصل شعورا ﻻى كان بأنه بين أهله وعائلته وفى وطنه كلها صفات لا تجدها اﻻ فى مصر حماها الله ورعاها وحفظها من كل سوء».


شعب ودود
«شعب بسيط وعشري».. هكذا أكد وضاح جميل من دولة اليمن، الشعب المصري، وقال أعيش في مصر منذ عام تقريبا ولكنها لم تكن الزيارة الأولى لأنني أتيت إلى مصر عدة مرات وفى كل مرة كنت أتشوق للزيارة التالية، والوضع بالنسبة لي أصبح أكثر سعادة  عندما قررت الاستقرار في مصر بسبب الأوضاع غير المستقرة في اليمن، ولكنى في مصر لا اشعر بالغربة وسط جيراني وأصدقائي المصريين وهو ما يهون على أوجاع الغربة والبعد عن الوطن، فالشعب المصري بسيط و«عشري» ويسهل التأقلم والامتزاج داخله، فالمصريون لا يتعاملون مع الغرباء بأي حواجز، لكنهم يتعاملون بترحاب وحب واهتمام وكأننا جزء من المجتمع نفسه، ويقدمون لنا يد المساعدة في أي موقف أو أزمة نتعرض لها».وأضاف «وضاح» أن هناك تشابه كبيراً بين المجتمعين المصري واليمنى في البساطة والتلقائية والبحث عن البهجة، فالشعب المصري عريق وأصيل ويمتلك تاريخاً وخبرة كبيرة في التعامل مع الأجانب والسائحين، كما إن الصفات التي تميز المجتمع انه بطبعه مرحاب ومضياف لذلك لا يجد أي شخص غريب عن المجتمع انه يعيش في بيئة تتفهم حاجاته ومتطلباته، كما يتميز المصري بأنه يبحث دائما عن الثقافات والعادات المشتركة مع أي شخص يأتي إلى مصر وهو ما يفتح الباب بسهولة لحدوث حالة من التوافق والود.


درع وسيف
«مصر سيف العرب ودرعها».. كلمات بسطيه تحمل معاني كثيرة وصف بها إبراهيم إدريس من دولة ليبيا، حبه وتقديره لمصر، وقال أعيش في مصر منذ 10 سنوات، ولم اشعر أبداً إنني خارج وطني، بل أصبحت جزءاً من نسيج المجتمع المصري». 
وأضاف « مصر ليست مجرد بلد عربي وإنما هي سيف العرب ودرعه تجدها دائما بجوار الحق، تساند وتدعم جيرانها وأشقاءها من الدول العربية،  وتتخذ مواقف كبيرة تهدف لحماية الشعوب العربية، وهو ما ظهر في حربها ضد الإرهاب داخلياً وخارجياً وتحملت على عاتقها مواجهة الإرهاب بكل الطرق سواء الدبلوماسية أو العسكرية أو السياسية، ووقفت بجوار الشعب الليبي في معاناته».


جزء من الوطن
«احتواء وأمان وحسن استقبال» بهذه الجملة وصف إسماعيل عبد الحميد كوسة من سوريا شعوره عن بلده الثاني مصر، قائلاً: "بسبب الأحداث التي نعيشها في سوريا لم نجد أنا والكثيرين من السوريين أي تردد في أن نأتي إلى مصر «أم الدنيا» لنحتمي بها وليجد أبناؤنا وأشقاؤنا الأمان فيها، والذي بات صعبا في سوريا». 
وأضاف «أتيت إلى مصر منذ ثلاث سنوات ومنذ أن وطأت قدمي أرضها لم أشعر ولو لثانية واحدة بالغربة أو الاضطهاد، فالجميع يعاملنا كجزء من الوطن ومد الجميع لنا يد العون مما خفف صعوبة فراق الوطن، فالمودة والاحتواء كانتا عنوان استقبال السوريين في مصر». 
وقال «اندماجنا داخل المجتمع المصري جعلنا نفتح أسواقا للمنتجات السورية في مصر  ووجدنا تشجيعا ودعما من المسئولين والمواطنين فهناك العديد من المطاعم السورية والمنتجات اليدوية التي تجذب الكثيرين وأخيرا فكرة تصنيع أول «توتوك» يعمل بالكهرباء التي راودتني وقمت بالاشتراك مع أصدقاء مصريين لتنفيذها وبالفعل خرج المشروع إلى النور وننتظر للحصول على الترخيص».

شعب طيب
العديد من الصفات الراقية التي يتميز بها المجتمع المصري جعلت مصر مقصداً للمهاجرين واللاجئين، الذين بمجرد قدومهم إلى مصري ينصهرون داخل المجتمع ويصبحون جزاء من الوطن.. 
«بوابة أخبار اليوم» ناقشت أساتذة الاجتماع بشأن دور المجتمع المصري في دعم اللاجئين واستيعابهم داخل المجتمع دون تفرقة أو تمييز. 
في البداية أكدت د. سامية خضر أستاذ علم الاجتماع جامعة عين شمس، أن طبيعة الشعب المصري طيبة وودودة لأقصى درجة، ولا يوجد ضمن صفاته الشراسة أو العدوانية أو العنصرية، وعندما يأتي إليه ضيف أو زائر يكرمه لحد يصل إلى المبالغة، فمن الطبيعي أن يعامل اللاجئ أحسن معاملة بعد أن ترك بلده بسبب ظروف الحروب أو الأزمات وجاء قاصداً مصر بهدف الحماية والأمن.
وأضافت أن حسن الاستقبال الذي يتميز به المصريين يقلل المسافات مع المهاجرين من أي جنسية، حيث يمنح المجتمع للاجئ شعور بالأمان وكأنه فى بلده  ونادراً ما تجد مغترباً في مصر يعانى من سوء المعاملة أو الاضطهاد،  لهذا تجد مصر وكأنها تحتضن أبناءها وأشقاءها وتشعرهم بالأمان وتصبح ملاذهم من أي خطر يتعرضون له، حتى تاريخياً خلال الحربين العالمية الأولى والثانية كان هناك العديد من الأجانب الذين دخلوا مصر من أجل الحماية.
وأكد د.إبراهيم مجدي أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس، أن مصر منذ قديم الأزل وهى بلد حاضنة للعديد من الحضارات والثقافات المختلفة، مثل اليونانيين، والايطاليين والفرنسيين وغيرها من الثقافات التي مرت على مصر، وهذا ما جعل ثقافة الاحتواء لدى الشعب أحد  طباعه الأساسية.  
وقال انه لو لم يكن لدينا كل هذا الوعي لما استطعنا تقبل أفرادا أخرى لدينا ولتبدل ذلك بمشاعر أخرى مثل العنصرية أو الكره، و لكن ما يجده أي شخص غريب سواء كان زائرا أو مهاجرا في مصر يجعل من يأتي إليه لا يشعر بإحساس الغربة على الإطلاق، فالشعب المصري معروف دائما بكرم ضيافته لأي غريب وبساطته وابتسامته التي يستقبل بها كل شخص.

ترشيحاتنا